دراسة في الحكمة الإلهية وأبعادها العقدية
المقدمة
تُعدّ غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من أكثر القضايا العقدية التي أثارت التساؤلات عبر التاريخ الإسلامي، حتى جعلها بعضهم مدخلًا للطعن في أصل الإمامة. غير أن المنهج العلمي يقتضي أن تُبحث هذه القضية في ضوء القرآن الكريم، والسنة النبوية، والعقل، بعيدًا عن الانفعال أو الاستغراب؛ إذ إن الاستغراب ليس دليلًا على الاستحالة، كما أن عدم إدراك الحكمة كاملة لا يعني عدم وجودها.
إن الإيمان بالإمام المهدي ليس قائمًا على مجرد العاطفة، بل يستند إلى نصوص متواترة، وإلى سنن إلهية متكررة في حياة الأنبياء والأولياء، مما يجعل الغيبة جزءاً من المشروع الإلهي لإقامة العدل في آخر الزمان.
أولًا: الغيبة ليست أمراً جديداً في السنن الإلهية
يُبين القرآن الكريم أن الغيبة ليست ظاهرة خاصة بالإمام المهدي، بل هي سنة إلهية ظهرت في حياة عدد من أنبياء الله.
فقد غاب نبي الله يوسف (عليه السلام) عن أبيه سنوات طويلة، حتى ظن الناس أنه هلك، بينما كان حيًا يدير شؤون دولة عظيمة، قال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾.
وغاب موسى (عليه السلام) عن قومه أربعين ليلة، فافتُتن كثير منهم.
ورفع الله عيسى (عليه السلام)، وهو حيٌّ ينتظر الوقت الذي قدّره الله لعودته.
فإذا كانت هذه السنن قد جرت في الأنبياء، فلا يوجد مانع عقلي أو شرعي من أن تجري في خاتم أوصياء النبي محمد (صلى الله عليه وآله).
ثانيًا: الأحاديث النبوية أخبرت بالغيبة قبل وقوعها
وردت في مصادر المسلمين روايات كثيرة تُثبت أن الإمام المهدي من ذرية النبي (صلى الله عليه وآله)، وأن له غيبة تسبق ظهوره.
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «للقائم غيبتان، إحداهما طويلة...»، وهو ما وقع فعلًا، مما يدل على أن الغيبة لم تكن فكرة طارئة، بل أمرًا أخبر به النبي وأهل بيته قبل وقوعه.
ثالثًا: الحكمة من الغيبة
لا تنحصر حكمة الغيبة في سبب واحد، بل تتعدد حكمها، ومن أبرزها:
- حفظ الإمام من القتل حتى يحين موعد أداء رسالته العالمية.
- امتحان المؤمنين وتمييز الثابتين من المتزلزلين، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.
- إعداد البشرية لتقبل مشروع العدل الإلهي الشامل، إذ إن إقامة دولة عالمية عادلة تحتاج إلى ظروف تاريخية واجتماعية مهيأة.
رابعًا: كيف ينتفع الناس بإمام غائب؟
من أشهر الإشكالات: ما فائدة إمام لا يُرى؟
وقد أجاب أهل البيت (عليهم السلام) عن ذلك بتشبيه بليغ، وهو أن الانتفاع بالإمام في غيبته كالانتفاع بالشمس إذا حجبتها السحاب؛ فهي لا تُرى، لكن آثارها في الحياة لا تنقطع.
فوجود الإمام يمثل أمانًا للأرض، وحفظًا للدين، وتسديدًا للمؤمنين بإذن الله، وإن لم يكن حضوره ظاهرًا للعامة.
خامسًا: الغيبة لا تعني تعطيل المسؤولية
من الأخطاء الشائعة أن يُفهم الانتظار على أنه سكون وترك للإصلاح، بينما تؤكد النصوص أن أفضل المنتظرين هم الذين يعملون على إصلاح أنفسهم ومجتمعاتهم، ويقيمون العدل، ويتمسكون بالدين، ويواجهون الفساد، ليكونوا أهلًا لنصرة الإمام عند ظهوره.
فالانتظار الحقيقي هو حركة وعمل، لا عزلة وكسل.
الخاتمة
إن غيبة الإمام المهدي ليست فراغاً في القيادة الإلهية، ولا دليلاً على غياب العناية الربانية، وإنما هي مرحلة من مراحل المشروع الإلهي الذي وعد الله فيه بأن يرث الصالحون الأرض، وأن ينتصر الحق على الباطل.
ومن ينظر إلى القضية بعين القرآن والسنة والعقل يدرك أن الغيبة ليست استثناءً في تاريخ الرسالات، بل امتداد لسنن الله في عباده، وأن الإيمان بها إيمان بوعد الله الذي لا يتخلف، قال تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
وإذا كان المؤمن لا يعلم موعد الظهور، فإنه يعلم يقينًا أن وعد الله حق، وأن مسؤوليته في زمن الغيبة هي الثبات على الإيمان، والعمل بالإصلاح، والاستعداد لنصرة الإمام متى أذن الله بظهوره.
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة