الدليل التاريخي وحده لا يكفي لإثبات شخصية الإمام المهدي (عج)

, منذ 1 شهر 93 مشاهدة

الشيخ علي آل محسن

هناك شخص أسمى نفسه (أحمد الكاتب) في بعض القنوات الفضائية يدعي أنه لم يجد دليلاً تاريخياً واحداً يدل على ولادة الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري (عج)، ومراده بالدليل التاريخي هو الروايات الصحيحة التي تثبت الولادة وإن كانت مروية في كتب الشيعة المعتبرة، متغافلاً عن سائر الأدلة العقلية وغيرها، التي تحتم ولادته ووجوده (ع)، وزعم أنه تحدى علماء الشيعة في ذلك، ولم يحصل منهم على جواب.

ومع أنه مدع كاذب، فهو عامي صرف لا معرفة له بتمحيص الروايات والأدلة النقلية، ونحن سنثبت فساد زعمه لئلا ينخدع بكلامه بعض العوام الذين قد يغترون بتمويهاته، فنقول:

أولاً: أنه يجب الأخذ في إثبات ولادة الإمام المهدي (عج) بكل دليل تام صحيح، ولا معنى للاقتصار على الدليل التاريخي فقط، لأن كل دليل صحيح يجب التسليم به، ولا أولوية للدليل

التاريخي على غيره من الأدلة، وصاحب الزمان قد ثبتت ولادته بأدلة متنوِّعة كثيرة صحيحة، وهذا كاف لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ثانياً: أن الأدلة الأخرى إما أدلة عقلية قطعية، أو أدلة مركبة من الدليل العقلي والدليل النقلي، وهذه الأدلة أهم من الدليل التاريخي الذي قد يناقَش فيه، لأنه مع ثبوت الدليل العقلي القطعي لا يُحتاج إلى الدليل التاريخي الظني.

ثالثاً: أن ثبوت ولادة أي شخص لا يُحتاج فيه إلى دليل تاريخي قطعي، وإلا لما استطعنا أن نثبت ولادة كثير من الشخصيات المعروفة في التاريخ، فإن ولاداتهم لم تثبت بدليل تاريخي قطعي متواتر.

رابعاً: أن ثبوت الولادات في عموم الأشخاص يرجع فيه إلى والد الشخص نفسه، فإذا ثبت عنه برواية واحدة صحيحة أنه قد اعترف بأنه قد ولد له مولود، فحينئذ لا بد من تصديقه والإقرار له به، وقد ثبت أن الإمام العسكري قد أقر بأنه ولد له الخلف من بعده.

خامساً: أنه يكفي في حصول الجزم بولادته (عج) إخبار جملة كبيرة من العلماء والصلحاء والمؤمنين أنهم رأوه في وقائع كثيرة وحوادث عديدة مختلفة، حتى جمع الشيخ الميرزا النوري

الطبرسي في كتابه (جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة) تسع وخمسين حادثة عمن رأوا الإمام المهدي (عج)، وهذا الكتاب مطبوع في ذيل المجلد الثالث والخمسين من كتاب بحار الأنوار.

وقد اعترف برؤيته أيضاً بعض علماء أهل السنة كما نقل الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه (اليواقيت والجواهر).

فهل يجوز لمنصف أن يكذب كل هؤلاء جملة واحدة، ولا سيما أن من جملتهم بعض علماء أهل السنة الذين لا يتَهمون بالتواطؤ مع الشيعة في هذه المسألة.

سادساً: أن الأدلة الروائية التي أسماها أحمد الكاتب أدلة تاريخية تدل على ولادته (عج) ، وهذه الأدلة نقسمها إلى طوائف:

الطائفة الأولى : الروايات الدالة على أن المهدي هو التاسع من ولد الإمام الحسين (ع) :

فقد روى الصدوق في كتاب الخصال وكمال الدين بسند في غاية الصحة، عن أبيه، قال:

حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبان بن تغلب، عن سليم بن قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي (رض) قال:

دخلتُ على النبي (ص) وإذا الحسين على فخذيه وهو يقبِّل عينيه ويلثم فاه وهو يقول: أنت سيِّد ابن سيِّد، أنت إمام ابن إمام أبو الأئمة، أنت حجة ابن حجة أبو حُجَج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم (1).

وروى الكليني قدس سره في كتاب الكافي بسند صحيح عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سعيد بن غزوان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (ع) قال: يكون تسعة أئمة بعد الحسين بن علي، تاسعهم قائمهم (2).

ورواه الصدوق في الخصال عن أبيه، عن علي بن إبراهيم كما في الكافي سنداً ومتناً (3).

والنتيجة أن هذه الرواية صحيحة السند، وهي دالة بوضوح على أن المهدي هو التاسع من ولد الحسين (ع)، ولا تاسع من ولد الحسين (ع) صالح للإمامة إلا الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري (ع).

الطائفة الثانية : الروايات التي دلَّت على ولادة الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري (ع).

فقد روى الكليني قدس سره في الكافي عن الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله قال: خرج عن أبي محمد (ع) حين قتل الزبيري لعنه الله : هذا

جزاء من اجترأ على الله في أوليائه، يزعم أنه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله فيه، وولد له ولد سماه (م ح م د) في سنة ست وخمسين ومائتين (4).

كما روى الشيخ الكليني قدس سره في الكافي أيضاً عن علي بن محمد، عن محمد بن علي بن بلال قال: خرج إلي من أبي محمد قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده، ثم خرج إلى من قبل مضيه بثلاثة أيام يخبرني بالخلف من بعده (5).

وروى أيضاً في الكافي بسند صحيح، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد (ع) : جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: سل. قلت: يا سيدي هل لك ولد؟ فقال: نعم. فقلت: فإن حدَثَ بك حدثٌ فأين أسأل عنه؟ فقال: بالمدينة (6).

الطائفة الثالثة : التي دلت على أن بعض الناس قد رأوه :

وهي روايات كثيرة صحيحة السند، منها ما رواه الكليني في الكافي عن محمد بن عبد الله ومحمد بن يحيى جميعاً، عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو

عند أحمد بن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف فقلت له: يا أبا عمرو إني أريد أن أسألك عن شيء، وما أنا بشاك فيما أريد أن أسألك عنه، فإن اعتقادي وديني أن الأرض لا تخلو من حجة، إلا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً، فإذا كان ذلك رُفعت الحجة وأُغلق باب التوبة، فلم يك ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها

خيراً، فأولئك أشرار من خلق الله عزَّ وجل، وهم الذين تقوم عليهم القيامة، ولكني أحببت أن أزداد يقيناً، وإن إبراهيم (ع) سأل ربه عزَّ وجل أن يريه كيف يحيي الموتى، قال: أو لم

تؤمن ؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي، وقد أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن (ع) قال: سألته وقلت: مَن أعامل أو عمَّن آخذ، وقول مَن أقبل ؟ فقال له: العمري ثقتي فما

أدَّى إليك عني فعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له وأطع، فإنه الثقة المأمون، وأخبرني أبو علي أنه سأل أبا محمد (ع) عن مثل ذلك، فقال له: العمري وابنه ثقتان، فما أدَّيا

إليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعمها، فإنهما الثقتان المأمونان، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك. قال: فخرَّ أبو عمرو ساجداً، وبكى ثم قال: سل

حاجتك. فقلت له: أنت رأيت الخلَف من بعد أبي محمد (ع) ؟ فقال: إي والله ورقبته مثل ذا - وأومأ بيده -. فقلت له: فبقيت واحدة. فقال لي: هات. قلت: فالاسم؟ قال: محرَّم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أن أحلِّل ولا أحرِّم، ولكن عنه (ع) ، فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمد مضى ولم يخلف ولداً، وقسم ميراثه وأخذه من لا حق له فيه وهو ذا، عياله يجولون ليس أحد يجسر أن يتعرف إليهم أو ينيلهم

شيئاً، وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك (7).

وروى الشيخ الكليني في الكافي بسند صحيح أيضاً عن علي بن محمد، عن محمد بن علي بن إبراهيم، عن أبي عبد الله بن صالح أنه رآه ـ أي المهدي (ع) ـ عند الحجر الأسود والناس يتجاذبون عليه وهو يقول: ما بهذا أُمروا (8).

الطائفة الرابعة : التي دلَّت على أنه يغيب فيُشك في ولادته:

فقد روى الكليني (قدس سره) في أصول الكافي بسند صحيح عن علي بن إبراهيم، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن عبد الله بن موسى، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن للغلام غيبة قبل أن يقوم. قال: قلت: ولم؟ قال: يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه ـ.

ثم قال: يا زرارة، وهو المنتظر الذي يُشك في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حَمْل [ أي مات أبوه وهو حمل في بطن أمه ]، ومنهم من يقول: إنه وُلد قبل موت أبيه بسنتين. وهو المنتظر، غير أن الله عزَّ وجل يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة... الخ (9).

وفي أصول الكافي بسند صحيح عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب عن إسحاق بن عمار، قال: قال أبو عبد الله (ع) : للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة، والغيبة الأولى لا يَعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه (10).

الطائفة الخامسة : ما دل على أن المهدي هو الحجة بن الحسن العسكري.

فقد روى الصدوق قدس سره في (كمال الدين) بسند صحيح، عن محمد بن الحسن ، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد العلوي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر (ع) يقول: الخلف من بعدي ابني الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف ؟ فقلت:

ولم جعلني الله فداك ؟ فقال: لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه. قلت: فكيف نذكره ؟ قال: قولوا: الحجة من آل محمد (ص) (11).

ومن كل ما تقدم نرى أنه لا مناص من الحكم بولادة الإمام محمد بن الحسن العسكري (ع) بحسب دلالة الروايات الصحيحة التي ذكرنا بعضاً منها، وأن إنكاره مكابرة واضحة ممن يعتقد بروايات أهل البيت (ع) المروية في كتب الحديث المعروفة عند الشيعة كالكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه وغيره، ويسلك الطريقة المعروفة في تصحيح الأحاديث كما زعم أحمد الكاتب في كلامه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب الخصال 2/475. كمال الدين وتمام النعمة 1/262.

(2) كتاب الكافي 1/533.

(3) كتاب الخصال 2/480 .

(4) كتاب الكافي 1/329.

(5) كتاب الكافي 1/328.

(6) نفس المصدر.

(7) كتاب الكافي 1/329.

(8) نفس المصدر 1/331.

(10) نفس المصدر 1/337.

(11) نفس المصدر 1/340.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0209 Seconds