الزيارة الأربعينية... مدرسة الانتظار وصناعة أنصار الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

, منذ 5 ساعة 54 مشاهدة

 

ليست الزيارة الأربعينية مجرد مسيرةٍ مليونيةٍ أو شعيرةٍ موسميةٍ تنتهي بانتهاء أيامها، بل هي مشروعٌ إلهي متجدد لإعداد الأمة لليوم الموعود؛ اليوم الذي يظهر فيه الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا. فمن يتأمل في فلسفة الأربعين يجد أنها ليست ذكرى تاريخية فحسب، وإنما منهج تربوي يصنع الإنسان الذي يكون مؤهلًا لنصرة الإمام عند ظهوره.

لقد نهض الإمام الحسين (عليه السلام) لإحياء الدين، والإمام المهدي (عجل الله فرجه) يقوم لإقامة الدين في صورته الكاملة. ولذلك فإن كل خطوة تُقرّب الإنسان من أهداف الحسين هي في حقيقتها خطوةٌ تقرّبه من نصرة القائم؛ لأن الإمام المهدي هو وارث ثورة الحسين، وشعاره في الروايات: «يا لثارات الحسين»، أي إن مشروعه العالمي يبدأ باستكمال أهداف النهضة الحسينية والانتصار لقيمها.

إن الزائر في الأربعين يتعلم أول درس من دروس الانتظار، وهو التضحية. فهو يترك راحته وماله ووقته، ويتحمل التعب والمشقة حبًا لله ولأوليائه. وهذه الروحية هي نفسها التي يحتاجها أصحاب الإمام المهدي؛ إذ لا يمكن إقامة دولة العدل على أيدي أناسٍ اعتادوا الراحة والدعة، بل على أيدي رجالٍ ونساءٍ عرفوا معنى البذل والإيثار.

كما تُربي الأربعين الزائر على الطاعة والولاء. فهو يعلن في زيارته: «باذلٌ مهجتي فيكم»، أي إن الولاء ليس شعارًا يُردد، وإنما استعدادٌ للتضحية. والمنتظر الحقيقي هو الذي يحول هذا الإعلان إلى سلوك يومي، حتى إذا نادى المنادي باسم الإمام كان من الملبين بلا تردد.

ومن أعظم الدروس التي تقدمها الأربعين أنها تذيب الفوارق بين الناس. ففي طريق كربلاء يسير الغني والفقير، والعربي والأعجمي، والقوي والضعيف في صفٍ واحد، لا يمتاز أحدهم على الآخر إلا بالتقوى والإخلاص. وهذه الصورة تمثل نموذجًا مصغرًا للمجتمع المهدوي العالمي الذي لا يقوم على العصبيات والقوميات، بل على العبودية لله والعدالة بين عباده.

ومن اللافت أن ملايين المؤمنين يلبون نداءً واحدًا دون أن تجمعهم مصلحة دنيوية أو سلطة سياسية، وإنما يجمعهم الحب والولاء. وهذه القدرة على الاجتماع حول إمام الحق هي بحد ذاتها رسالة بأن الأمة قادرة - إذا صدقت مع الله - على الاجتماع حول الإمام المهدي عند ظهوره، وترك كل الولاءات الأخرى.

كما أن مواكب الخدمة في الأربعين تُجسد أخلاق الدولة المهدوية؛ فالإيثار، وإكرام الضيف، والتكافل، وخدمة الآخرين بلا مقابل، كلها قيمٌ ستكون أساس المجتمع الذي يقوده الإمام المهدي. فالذي يتربى على خدمة زوار الحسين اليوم، سيكون أقرب إلى خدمة مشروع الإمام غدًا.

ومن زاويةٍ أخرى، فإن الأربعين تمثل إعلانًا عالميًا متجددًا لرفض الظلم. فالحسين خرج ليقول "لا" للطغيان، والإمام المهدي سيملأ الأرض عدلًا بعد أن يعمها الظلم. لذلك فإن كل مشاركة في إحياء الأربعين هي تجديد للعهد بعدم القبول بالانحراف، والاستعداد للوقوف مع الحق مهما بلغت التضحيات.

وليس من المصادفة أن تُعدّ زيارة الأربعين في الروايات من علامات المؤمن؛ لأن الإيمان الحقيقي ليس مجرد اعتقاد، بل هو ارتباطٌ دائمٌ بخط الإمامة، يبدأ بالحسين ولا ينتهي إلا بالقائم من آل محمد (عليهم السلام). فكلما ازداد الإنسان ارتباطًا بالحسين ازداد استعدادًا لمعرفة الإمام المهدي ونصرته.

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل زائر على نفسه بعد انتهاء الأربعين ليس: كم كيلومترًا مشيت؟ ولا كم يومًا استغرقت رحلتي؟ وإنما: هل أصبحت أكثر صدقًا؟ أكثر طاعة؟ أكثر استعدادًا للتضحية؟ أكثر التزامًا بأوامر الله؟ فإن كانت الإجابة نعم، فقد حققت الأربعين هدفها الحقيقي، وأصبحت أقرب إلى أن تكون من جنود الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

وهكذا يتبين أن العلاقة بين الزيارة الأربعينية والإمام المهدي ليست علاقة عاطفية أو شعائرية فحسب، بل هي علاقة مشروعٍ برسالته، وثورةٍ بامتدادها، وإمامٍ بوارثه. فالأربعين ليست نهاية الحزن على الحسين، وإنما بداية إعداد الأمة لاستقبال الإمام الذي سيحقق أهداف الحسين على مستوى العالم كله، ويقيم دولة العدل الإلهي التي طال انتظارها.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.1121 Seconds