مقدمة
لم تكن قضية الإمام المهدي عليه السلام وليدة العاطفة الدينية أو الأمنيات الإنسانية، بل هي عقيدة تستند إلى الوحي الإلهي، وتنسجم مع السنن التي أجراها الله في التاريخ. فالقرآن الكريم يؤكد أن حركة التاريخ ليست عشوائية، وإنما تسير نحو غاية أرادها الله، وهي انتصار الحق وإقامة العدل واستخلاف الصالحين في الأرض. ومن هنا جاءت عقيدة الإمام المهدي لتكون الامتداد الطبيعي لهذا الوعد الإلهي.
أولًا: الوعد الإلهي بحكومة العدل
جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105).
فالآية لا تتحدث عن مرحلة محدودة من التاريخ، بل عن مستقبل البشرية، حيث تكون السيادة النهائية لعباد الله الصالحين. وقد رويت عن أهل البيت عليهم السلام روايات عديدة فسّرت هذه الآية بأنها تشير إلى دولة الإمام المهدي عليه السلام.
ويقول سبحانه:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).
وهذا الوعد الإلهي لا يختص ببني إسرائيل، بل يمثل سنةً إلهية تتكرر في التاريخ، وتبلغ كمالها في عصر الظهور.
كما قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ...﴾ (النور: 55).
إن هذا الاستخلاف الكامل، الذي يعم الأرض ويزيل الخوف ويحقق العبودية الخالصة لله، لم يتحقق بصورة شاملة في أي عصر، مما يدل على أن له تحققًا مستقبليًا في الدولة الإلهية الموعودة.
ثانيًا: السنن التاريخية تؤكد حتمية انتصار الحق
القرآن يقرر أن للتاريخ قوانين ثابتة، منها أن الباطل قد ينتفخ ويقوى، لكنه لا يدوم.
قال تعالى:
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18).
وقال:
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81).
وعندما نتأمل مسيرة الأنبياء، نجد أن الابتلاء يسبق النصر، وأن الاستضعاف يسبق التمكين، وأن الصبر يقود إلى قيام دولة الحق. وهذه السنة نفسها تمتد إلى المشروع المهدوي، حيث يسبق الظهور زمن طويل من الفتن والامتحانات، ثم يأتي الفرج الإلهي.
ثالثًا: الإمام المهدي امتداد لمسيرة الأنبياء
كل الأنبياء حملوا مشروعًا واحدًا، هو هداية الإنسان وإقامة العدل. لكن ظروف المجتمعات لم تسمح بتحقيق هذا المشروع بصورة كاملة. لذلك بقي الوعد الإلهي مفتوحًا حتى يختمه الإمام المهدي عليه السلام.
فكما نجا الله إبراهيم من النار، وأنقذ موسى من فرعون، ونصر محمدًا صلى الله عليه وآله على قريش، فإن خاتمة هذا المشروع ستكون بقيام الإمام المهدي ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا.
رابعًا: البعد العقلي لعقيدة الإمام المهدي
من الناحية العقلية، إن الله حكيم، فلا يمكن أن يترك البشرية بلا أمل في انتصار الحق. ولو كان الظلم هو النهاية، لكان ذلك منافياً للحكمة الإلهية والعدل الإلهي.
وعقيدة الإمام المهدي تجيب عن هذا التساؤل، فهي تؤكد أن العدالة الشاملة ليست حلمًا مستحيلاً، بل وعدًا إلهيًا مؤجلًا إلى الوقت الذي تكتمل فيه شروطه.
خامسًا: الانتظار صناعة للمستقبل
الانتظار في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليس حالة من السلبية أو ترك العمل، وإنما هو إعداد للنفس والمجتمع، وبناء للوعي، وإقامة للعدل بقدر المستطاع، والثبات على المبادئ في زمن الفتن.
فالمنتظر الحقيقي هو الذي يجعل من نفسه مشروعًا للإصلاح، ليكون أهلًا لنصرة الإمام إذا أدرك زمانه.
خاتمة
إن الإمام المهدي عليه السلام ليس مجرد شخصية مستقبلية، بل هو عنوان لوعد الله الذي لا يتخلف، وتجسيد للسنن الإلهية التي تحكم حركة التاريخ. وكلما ازدادت الفتن والظلم، ازداد المؤمن يقينًا بأن النهاية ليست للطغيان، وإنما للحق، لأن الله وعد بذلك، ووعده لا يخلف.
إن الإيمان بالإمام المهدي هو إيمان بانتصار العدالة على الظلم، وبأن التاريخ يسير نحو اليوم الذي تتحقق فيه إرادة الله في الأرض، فتقام دولة العدل الإلهي، ويعيش الإنسان تحت راية الحق والرحمة والسلام.
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة