الإمام المهدي بين الغيبة وصناعة الإنسان الرسالي

, منذ 1 ساعة 44 مشاهدة

ليس السؤال الحقيقي في عصر الغيبة: أين الإمام؟ بل السؤال الذي ينبغي أن يؤرق ضمير المؤمن هو: أيُّ إنسانٍ يريد الإمام أن نصبح عليه قبل ظهوره؟ فالغيبة ليست انقطاعًا للمشروع الإلهي، وإنما مرحلة إعداد للإنسان الذي يستطيع أن يحمل راية العدل عندما تشرق شمس الظهور.

لقد أراد الله سبحانه أن تكون غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مدرسةً تربويةً كبرى، يُمتحن فيها صدق الإيمان وثبات العقيدة، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. فالفتنة ليست دائمًا في مواجهة الباطل، بل قد تكون في طول الانتظار، وثقل الغيبة، وكثرة الشبهات، وضغط الواقع.

ومن هنا أكدت الروايات أن زمن الغيبة هو من أشد الأزمنة امتحانًا، لأن المؤمن يعيش في عصرٍ لا يرى فيه إمامه، لكنه يلتزم بطاعته، ويثبت على ولايته، ويجعل حضوره المعنوي حاضرًا في وجدانه وسلوكه.

روي في الاختصاص للمفيد عن أمية بن علي، عن رجل، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أيما أفضل نحن أو أصحاب القائم (عليه السلام)؟ قال: فقال لي: أنتم أفضل من أصحاب القائم وذلك أنكم تمسون وتصبحون خائفين على إمامكم وعلى أنفسكم من أئمة الجور، إن صليتم فصلاتكم في تقية، وإن صمتم فصيامكم في تقية، وإن حججتم فحجكم في تقية، وإن شهدتم لم تقبل شهادتكم، وعد أشياء من نحو هذا مثل هذه. فقلت: فما نتمنى القائم (عليه السلام) إذا كان على هذا؟ قال: فقال لي: سبحان الله، أما تحب أن يظهر العدل وتأمن السبل وينصف المظلوم. [الاختصاص للشيخ المفيد: ص٢٠]

وهذه المرتبة من الإيمان هي التي تصنع الإنسان الرسالي.

والإنسان الرسالي ليس إنسانًا كثير الأمنيات، بل كثير المسؤوليات. إنه الذي يشعر أن كل موقف من مواقفه، وكل كلمة ينطق بها، وكل خلق يتحلى به، يمثل جزءًا من مشروع التمهيد للإمام. فالتمهيد لا يبدأ بالسلاح، وإنما يبدأ ببناء النفس، وإقامة العدل في السلوك، ونشر العلم، ومحاربة الجهل، وإحياء القيم.

إن كثيرًا من الناس يظنون أن الانتظار يعني ترقب حدثٍ مستقبلي، بينما تؤكد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أن الانتظار حركة إصلاح دائم. فالمنتظر الحقيقي لا يسمح للفساد أن يسكن قلبه، ولا للظلم أن يتحكم في تصرفاته، ولا لليأس أن يهزم روحه؛ لأنه يعلم أن المستقبل لله، وأن وعده حق.

ومن أخطر الأخطاء أن يتحول الحديث عن الإمام المهدي إلى مجرد سردٍ لعلامات الظهور، مع إهمال بناء الإنسان الذي سيكون أهلًا لنصرته. فالمعرفة بعلامة واحدة لا تساوي شيئًا إذا خسر الإنسان صدقه وأمانته وتقواه. إن الإمام لا يبحث عن كثرة الأتباع، وإنما عن نوعية الأنصار الذين وصفهم القرآن بالإيمان الراسخ والصبر والثبات.

ولهذا كان العلماء يؤكدون أن أعظم مسؤوليات عصر الغيبة هي حفظ الدين، وتحصين المجتمع، وتربية الأجيال على العقيدة الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، والوعي العميق. فكل مدرسة تربي، وكل منبر يهدي، وكل قلم يدافع عن الحق، هو لبنة في مشروع التمهيد.

إن الإمام المهدي ليس مشروع خلاصٍ فردي، بل مشروع حضارة إلهية عالمية، تقوم على العدل والرحمة والعلم والكرامة الإنسانية. ومن أراد أن يكون جنديًا في تلك الدولة، فعليه أن يبدأ من الآن بإقامة دولة القيم في نفسه؛ لأن فاقد العدل لا يستطيع أن يكون جنديًا في دولة العدل.

إن الغيبة ليست غيابًا للدور، وإنما حضورٌ للتكليف. وليست مبررًا للكسل، وإنما دعوةٌ إلى العمل. وليست سببًا لليأس، وإنما مصدرٌ للأمل؛ لأن المؤمن يعلم أن الأرض مهما امتلأت ظلمًا، فإن وعد الله بالنصر لا يتخلف.

وخلاصة القول: إن أعظم ما تصنعه الغيبة هو صناعة الإنسان الرسالي؛ الإنسان الذي يعيش لله، ويتحرك لله، ويتهيأ كل يوم ليكون أهلًا لأن يقال له إذا أذن الله بالظهور: هذا يوم الوفاء بالعهد، وهذا أوان نصرة إمام زمانك.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0967 Seconds