الإمام الحسين والإمام المهدي: من نهضة عاشوراء إلى مشروع الظهور

, منذ 5 ساعة 83 مشاهدة

ليس في التاريخ الإسلامي حادثتان ارتبطتا ببعضهما كما ارتبطت نهضة الإمام الحسين بالإمام المهدي. فعاشوراء لم تكن حادثة انتهت في العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة، وإنما كانت بداية مشروع إلهي طويل، يمتد حتى اليوم الذي يظهر فيه الإمام المهدي ليحقق الأهداف التي استشهد الإمام الحسين من أجلها.

لقد خرج الإمام الحسين معلناً مبدأ الإصلاح بقوله: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي». وهذه الكلمات ليست شعاراً عاطفياً، بل إعلان عن مشروع حضاري هدفه إعادة الأمة إلى قيم الإسلام الأصيلة. لكن الظروف السياسية والعسكرية آنذاك لم تسمح بتحقيق جميع أهداف هذا المشروع، فبقيت الرسالة، وبقي الوعد الإلهي بإكمالها.

ومن هنا نفهم السر في الارتباط الوثيق بين الإمام الحسين والإمام المهدي؛ فالإمام المهدي ليس مشروعاً منفصلاً عن عاشوراء، بل هو الامتداد الطبيعي لها. وإذا كان الإمام الحسين قد حفظ الدين بدمه، فإن الإمام المهدي سيقيم هذا الدين على مستوى العالم بقيادته وعدله.

وقد أكدت الروايات هذا الارتباط بصورة واضحة، حتى ورد أن الإمام المهدي عندما يظهر يبدأ خطابه بتذكير العالم بمظلومية جده الإمام الحسين، ويُعرِّف نفسه بأنه حفيده، ويرفع شعار «يا لثارات الحسين». وليس المقصود بالثأر هنا الانتقام الشخصي، فالأئمة منزّهون عن ذلك، وإنما إزالة كل نظام قام على الظلم والانحراف الذي انتهى بقتل الإمام الحسين، وإقامة العدل مكانه.

إن شعار «يا لثارات الحسين» هو إعلان لانتصار الحق على الباطل، وليس دعوة إلى سفك الدماء. إنه يعني أن الدم الطاهر الذي أريق في كربلاء لن يضيع، وأن الرسالة التي استشهد من أجلها الإمام الحسين ستنتصر في نهاية المطاف، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.

إن العلاقة بين عاشوراء والظهور علاقة هدفٍ واحدٍ بمرحلتين مختلفتين؛ الأولى مرحلة حفظ الإسلام بالتضحية، والثانية مرحلة إقامة الإسلام بالعدل. ولذلك ورد في الزيارة الجامعة: «وبكم فتح الله وبكم يختم»، فهم مشروع إلهي واحد، تتكامل فيه الأدوار ولا تتعارض.

ومن هنا فإن انتظار الإمام المهدي لا يعني الاكتفاء بالبكاء على الإمام الحسين، بل يعني تحويل مبادئ عاشوراء إلى سلوك يومي: مقاومة الظلم، ونصرة المظلوم، والالتزام بالحق، وإصلاح النفس والمجتمع. فالمنتظر الحقيقي هو الذي يعيش قيم الحسين ليكون جديراً بنصرة المهدي.

إن أخطر ما يواجه الأمة أن تفصل بين عاشوراء والظهور؛ فتجعل الحسين رمزاً للبكاء فقط، وتجعل المهدي فكرة مؤجلة للمستقبل. أما مدرسة أهل البيت فتؤكد أن الحسين يصنع الإنسان المؤمن، وأن المهدي يقود هذا الإنسان لبناء المجتمع العادل.

ولهذا فإن كل مجلس حسيني ينبغي أن ينتهي بسؤال كبير: هل نحن مجرد باكين على الحسين، أم أننا نبني أنفسنا لنكون من أنصار المهدي؟ فالبكاء شرف، لكنه يصبح أعظم عندما يتحول إلى وعي، والوعي يصبح أكمل عندما يتحول إلى عمل.

وهكذا تبقى عاشوراء هي الشرارة التي أيقظت الضمير الإنساني، ويبقى الظهور هو اليوم الذي تبلغ فيه تلك الشرارة تمام نورها، فتشرق الأرض بعدل الإمام المهدي كما أشرقت كربلاء بدم الإمام الحسين، ويعلم العالم كله أن الدم الذي سُفك في الطف لم يكن نهاية الطريق، بل كان بداية النصر الإلهي الموعود.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.1191 Seconds