انتظار بلا عمل أم مشروع تغيير؟ قراءة جديدة في مفهوم التمهيد للإمام المهدي عليه السلام

, منذ 2 ساعة 58 مشاهدة

ليس الانتظار في الفكر الشيعي حالة سكون، ولا هو تعبير عن العجز أو الهروب من الواقع، كما قد يتصوره البعض؛ بل هو في جوهره موقف حضاري عميق، ومشروع تغييري متكامل يستند إلى رؤية كونية للإنسان والتاريخ. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن ننتظر الإمام المهدي عليه السلام بوعيٍ رسالي، أم أننا نمارس شكلاً من أشكال الانتظار السلبي الذي يعطل طاقاتنا ويبرر تقاعسنا؟

إن القراءة السطحية لمفهوم “الانتظار” تختزله في البعد الزمني، أي ترقب حدث مستقبلي مجهول التوقيت. لكن القراءة العلمية الدقيقة تكشف أن الانتظار في العقيدة المهدوية هو حالة “استعداد دائم”، يُترجم إلى سلوك، وبناء ذات، وإصلاح مجتمع. فالانتظار الحقيقي ليس ترقبًا للفرج، بل صناعة له ضمن حدود التكليف الإنساني.

من الناحية العقائدية، تؤكد النصوص أن أفضل الأعمال هو “انتظار الفرج”، غير أن هذا التفضيل لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق العام لمنظومة القيم الإسلامية التي تقوم على العمل والجهاد والإصلاح. فكيف يكون الانتظار أفضل الأعمال إذا كان خاليًا من العمل؟ هذا التناقض الظاهري يُحلّ عندما ندرك أن المقصود هو الانتظار الواعي الفاعل، لا الانتظار الكسول المنسحب من مسؤولياته.

أما من الناحية النفسية، فإن الانتظار الإيجابي يمنح الإنسان طاقة أمل هائلة، ويقيه من الانهيار أمام الأزمات. فهو لا يرى الواقع نهاية الطريق، بل مرحلة ضمن مسار تاريخي ينتهي بالعدل الإلهي. هذا الأمل ليس تخديرًا، بل دافعًا للعمل، لأنه يحمّل الإنسان مسؤولية أن يكون جزءًا من هذا المشروع الإلهي، لا مجرد متفرج عليه.

وعلى المستوى الاجتماعي، يتحول مفهوم التمهيد إلى مشروع إصلاحي شامل. فالممهد للإمام المهدي ليس من يكثر الدعاء فقط، بل من يسعى لإقامة العدل بقدر استطاعته، ويحارب الفساد، ويُعلي من قيمة الحق، ويبني وعياً جمعياً قادراً على استقبال دولة العدل الإلهي. إن المجتمع الذي تغلب عليه الفوضى والظلم والجهل لا يمكن أن يكون بيئة صالحة للظهور، لأن الظهور ليس معجزة منفصلة عن سنن التاريخ، بل هو ذروة تفاعلها.

ومن هنا، فإن التمهيد الحقيقي يبدأ من “إصلاح الذات”. فالفرد الذي يعجز عن ضبط نفسه، أو يقع أسير أهوائه، لا يمكن أن يكون جندياً في مشروع عالمي يقوده الإمام المهدي. إن بناء الإنسان الواعي، الأخلاقي، المنضبط، هو اللبنة الأولى في مشروع التمهيد. وهذا ما يجعل الانتظار عملية تربوية مستمرة، لا مجرد حالة شعورية عابرة.

كما أن من أخطر الانحرافات في فهم الانتظار هو تبرير الفشل والتخلف باسم “الزمن لم يحن بعد”. هذه الذهنية تُفرغ العقيدة المهدوية من مضمونها، وتحولها إلى أداة تخدير بدل أن تكون أداة نهضة. فالإمام المهدي لا يأتي ليصنع أمة من العدم، بل ليقود أمة مهيأة، تمتلك الحد الأدنى من الوعي والاستعداد.

إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: “متى يظهر الإمام؟” بل: “هل نحن مؤهلون لنكون في مشروعه؟”. هذا التحول في السؤال يعكس تحولاً في الوعي، من عقلية الانتظار السلبي إلى عقلية المشاركة الفاعلة.

في الختام، يمكن القول إن الانتظار ليس فترة زمنية نعيشها، بل هو مشروع نعيشه. هو مسؤولية، لا حالة؛ فعل، لا انفعال؛ بناء، لا تبرير. وكلما اقترب الإنسان من هذا الفهم، اقترب أكثر من أن يكون ممهدًا حقيقياً للإمام المهدي عليه السلام، لا مجرد منتظر بالاسم.

فالانتظار، في أعمق معانيه، هو أن تعيش الحاضر بروح المستقبل الذي وعد الله به.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.1775 Seconds