الإمام المهدي والآثار العلمية: البرهان على ملازمته للقرآن الكريم

, منذ 6 ساعة 51 مشاهدة

من أبرز ما امتازت به مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّها قدّمت للإنسانية نموذجاً للإمام الكامل الذي يجمع بين العصمة والعلم والقيادة الربانية. ومن جملة هؤلاء، الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف، الذي غاب شخصه عن الأنظار لكن لم تغب آثاره، ولم ينقطع عطاؤه. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نثبت وجود آثار علمية للإمام المهدي؟ وكيف نبرهن على ملازمته للقرآن الكريم؟

أولاً: ضرورة وجود الإمام الحيّ العالم

العقل والشرع متفقان على أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله، لأنّ القرآن وحده يحتاج إلى مبيّن وشارح معصوم. قال تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ (النحل: 44).

فكما كان النبي صلى الله عليه وآله مبيّناً، كذلك لابد من استمرار خطّ البيان المعصوم. هذا يقتضي وجود إمام حيّ عالم بالقرآن، وإلا لبطل الغرض من الإنزال الإلهي.

ثانياً: النصوص النبوية على ملازمة المهدي للقرآن

النصوص النبوية كثيرة وصريحة في هذا الباب، منها:

ورد عن الإمام الصَّادق عليه السلام حيث يقول: "..وأدنى معرفة الإمام أنَّه عِدل النَّبيّ إلا درجة النُّبوَّة ووارثه، وأن طاعته طاعة الله وطاعة رسول الله والتَّسليم له في كلِّ أمر والرَّدُّ إليه والأخذ بقوله، ويعلم أنَّ الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليُّ بن أبي طالب ثمَّ الحسن ثم الحسين ثمَّ علي بن الحسين ثم محمَّد بنُ عليّ ثمَّ أنا ثم من بعدي موسى ابني ثمَّ من بعده ولده علي وبعد علي محمَّد ابنه وبعد محمّد عليّ ابنه وبعد عليّ الحسن ابنه والحُجَّة من ولد الحسن" وهذا يثبت أنّه المرجع العلمي والديني للناس. بحار الأنوار، ج 4، ص 55.

حديث الثقلين المتواتر: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي».

فالقرآن لا ينفصل عن العترة، والعترة لا تنفصل عن القرآن، والإمام المهدي هو الامتداد الحيّ للعترة الطاهرة، فيكون هو حامل العلم القرآني.

ثالثاً: الآثار العلمية للإمام المهدي

رغم غيبته، إلا أنّ التاريخ والواقع حفظا لنا شواهد على عطائه العلمي:

التوقيعات المباركة

وهي رسائل الإمام المهدي المكتوبة إلى شيعته في عصر الغيبة الصغرى. هذه التوقيعات مليئة بالمعاني القرآنية والاستنباطات الدقيقة، وتشهد على إحاطته بالكتاب. مثال: توقيعه إلى إسحاق بن يعقوب الذي يجيب فيه عن مسائل فقهية وعقائدية دقيقة.

إرشاد العلماء والفقهاء

عشرات الروايات التاريخية تثبت أنّ الإمام كان يوجه كبار العلماء من خلال التوقيعات أو اللقاءات الخاصة، مثل الشيخ المفيد رحمه الله، حيث ورد أن الإمام كتب له رسائل عملية، وهذا دليل على حضوره العلمي الدائم.

حفظ المنهج العلمي للأمة

ببركة وجوده وارتباط العلماء به، بقي خط أهل البيت مستمراً دون انقطاع، فمئات الكتب الكلامية والفقهية عند الشيعة تنقل عن الإمام مباشرة أو بوسائط قليلة. هذا بحد ذاته أثر علمي مستمر.

رابعاً: القرآن والمهدي في النصوص

الإمام المهدي هو القرآن الناطق في آخر الزمان. جاء في الروايات:

عن أمير المؤمنين عليه السلام: «كأني أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة وقد ضربوا الفساطيط، يعلّمون الناس القرآن كما أنزل» (النعماني، الغيبة).

أي أنّه يعيد إحياء التفسير الصحيح للكتاب.

وفي البحار نقلا عن إرشاد الديلمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا قام القائم دعا الناس إلى الإسلام جديدا، وهداهم إلى أمر قد دثر، وضل عنه الجمهور وإنما سمي القائم مهديا لأنه يهدي إلى أمر مضلول عنه، وسمي القائم لقيامه بالحق. مكيال المكارم - ميرزا محمد تقي الأصفهاني - ج ١ - الصفحة ٥٧

إذن ملازمته للقرآن ليست وصفاً عرضياً، بل هي جوهر مهمته.

خامساً: البعد العقلي – ضرورة التلازم

إذا كان القرآن كتاب الهداية الخالد، فلا بد من حافظ ومبيّن معصوم له في كل زمان. الإمام المهدي هو الضمانة العلمية لبقاء القرآن غضّاً طرياً. وهذا ما يثبت أنّ آثار الإمام العلمية ليست مجرّد روايات، بل حقيقة وجودية تلازم القرآن حتى ظهور الحق الكامل.

خاتمة

يتضح مما سبق أن وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه ليس مجرد إيمان غيبي، بل له آثار علمية حيّة تثبت حضوره، من خلال التوقيعات، توجيه العلماء، حفظ المنهج الفقهي والعقائدي، إضافة إلى النصوص النبوية التي تجعل العترة قرينة القرآن. فهو الإمام الذي يمثل الملازمة الكاملة للكتاب العزيز، ليكون ظهوره المرتقب إيذاناً بانكشاف علوم القرآن كلها وبسط العدل الإلهي في الأرض.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0697 Seconds