إذا ظهر الإمام المهدي (عج) فهل نحتاج الى المراجع والعلماء ؟

, منذ 1 شهر 233 مشاهدة

الكثير ربَّما تُسوِّل له نفسه أنَّ حجّيَّة الفقهاء ملغاة في دولة الظهور للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهو تفكير عجيب وغريب، فإنَّ صلاحيَّات الفقهاء وحجّيَّتهم وإنْ كانت محدودة لكنَّها تبقى في ظلّ وهيمنة دائرة حجّيَّة المعصوم, لذا لم يكن دور الفقهاء ملغيًّا في دولة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) يشير إلى دور ومنصب الفقهاء في زمن دولة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعظم من الإمام، فإذا لم يلغَ دور الفقهاء في دولة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كيف نتصوَّر إلغاءه في دولة المهدي (عجَّل الله فرجه)؟

وهكذا لم يلغَ دور الفقهاء في دولة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو أعظم من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ولم يلغَ دور الفقهاء في دولة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) وهو أعظم من المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهكذا جميع الأئمَّة من الإمام الحسين (عليه السلام) سيِّد شباب أهل الجنَّة إلى الإمام الحسن العسكري (عليهم السلام) لم يكن هناك أيُّ إلغاء وإقصاء لدور الفقهاء، فكيف نتصوَّر إلغاء أو إقصاء في دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ فإنَّ الكوفة في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) كانت تعجُّ وتضجُّ بالفقهاء، بل ويكثر فيها بيوت المرجعيَّة كزرارة حيث كان بيتاً من بيوت المرجعيَّة في الكوفة, وهكذا محمّد بن مسلم وعمَّار بن موسى الساباطي وهشام بن الحَكَم وبريد بن معاوية العجلي، فإنَّ الباقر (عليه السلام) يقول لأبان بن تغلب: «اِجْلِسْ فِي مَسْجِدِ اَلمَدِينَةِ وَأَفْتِ اَلنَّاسَ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُرَى فِي شِيعَتِي مِثْلُكَ»(1).

فإنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمعصومين (عليهم السلام) عموماً وإنْ كانوا على أعلى مستويات العصمة والقيادة والعلم و... ولكنَّه بحكم الحياة البشريَّة لا يرتبطون حسًّا مع كلِّ فرد بشري من أفراد المجتمع، لذا لا بدَّ من جهاز وذراع وأيدي لاتِّصالهم بالقواعد الجماهيريَّة، وهذا الجهاز قد حدَّده الله تعالى وهو الفقهاء, فهم أيدي وسواعد المعصوم, فمن يتفقَّه للدِّين ويكون ورعاً تقيًّا فهذا هو دوره بنصّ وفريضة من الله، أي يُجعَل عوناً من أعوان المعصوم وإصبعاً من أصابع المعصوم وخادماً من خُدَّام المعصوم, وهذا فرض من الله (عزَّ وجلَّ)، وإنَّ هذه الآية - آية النفر - لا تُنسَخ، بل ستظلُّ خالدة إلى يوم القيامة, فمن ذا الذي تُسوِّل له نفسه أنْ يقول: إنَّ هناك قطيعة بين الفقهاء الصالحين العدول وبين مسار المعصومين؟ وإلَّا لو لم يعتمد المعصوم على الفقهاء والعلماء و...، فمن يكون المعين له، ومن يكون ساعده وذراعه وواسطته للناس؟! أيُعقَل أنْ يكون الجُهَّال - والعياذ بالله - هم سواعد المعصوم ورابطته بالناس؟ وإنَّما أمره الله تعالى باتِّخاذ العلماء، ومن يكون ذا كفاءة في الفقه والتفقُّه لا الجهل والجهالة أُمناء على شريعتهم ودين الله.

لذلك قال جعفر بن محمّد (عليه السلام): «عُلَمَاءُ شِيعَتِنَا مُرَابِطُونَ فِي اَلثَّغْرِ اَلَّذِي يَلِي إِبْلِيسُ وَعَفَارِيتُهُ، يَمْنَعُونَهُمْ عَنِ اَلْخُرُوجِ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا، وَعَنْ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ وَشِيعَتُهُ اَلنَّوَاصِبُ، أَلَا فَمَنِ اِنْتَصَبَ لِذَلِكَ مِنْ شِيعَتِنَا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ جَاهَدَ اَلرُّومَ وَاَلتُّرْكَ وَاَلْخَزَرَ أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ، لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ أَدْيَانِ مُحِبِّينَا، وَذَلِكَ يَدْفَعُ عَنْ أَبْدَانِهِمْ»(2)، أي ثغور المعرفة وثغور البصيرة، فلا يستطيع أصحاب الدجل والعداء والحيل والزيف والباطل أنْ ينفذوا إلى حومة الدِّين ما دام جنود المعصومين موجودين وهم الفقهاء, فإنَّهم وإنْ كانت حجّيَّتهم نقطة في محيطات سماء المعصومين (عليهم السلام)، ولكن هذه النقطة هي نظام جهاز المعصومين بهندسة وتخطيط من الله (عزَّ وجلَّ)، لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أراد لهذا الجهاز أنْ لا يُخترَق، وأنْ يكون حصيناً, لذلك قال أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام): «اَلْفُقَهَاءَ حُصُونُ اَلْإِسْلَامِ»(3).

فالمعصوم لا بدَّ أنْ يتَّخذ حصناً وأعواناً له يعينوه بنصِّ الآية الكريمة - آية النفر -، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢)، لذلك لم تلغَ حجّيَّة الفقهاء في الغيبة الصغرى وفي ظلِّ نيابة السفراء الأربعة, إذ هو نظير الدائرة أو الوزارة فيها مدير ورؤساء شُعَب وموظَّفون وعُمَّال، وكلٌّ له دائرة عمل خاصَّة لا تتقاطع مع دوائر عمل الآخرين، أو نظير الوزارات والدوائر المتعدِّدة تحت ظلِّ رئاسة موحَّدة للوزراء.

فإنَّ السفراء الأربعة في الغيبة الصغرى نظير الوزير والوزارة، فلهم مسؤوليَّات معيَّنة لا تتقاطع مع مسؤوليَّات الإمام (عجَّل الله فرجه)، ولا تتقاطع مع مسؤوليَّات الفقهاء الباقين، فإنَّ حجّيَّة النُّوَّاب والسفراء في الغيبة الصغرى لم تكن حجّيَّة مطلقة، بل هي محدودة، أمَّا في الغيبة الكبرى فقد قامت الدلائل والبراهين على بطلان كلِّ مدَّعي للسفارة والنيابة الخاصَّة، وإنْ كان للمهدي (عجَّل الله فرجه) في دولة الظهور ولاة ونُوَّاب خاصُّون، وهم أصحابه الثلاثمائة والثلاثة عشرة.

وهكذا الفقهاء الباقون من غير السفراء سواء كانوا في الغيبة الصغرى أو الكبرى، وحتَّى في زمن الظهور فإنَّ لهم مهامًّا ومسؤوليَّات غير مهامّ ومسؤوليَّات الإمام (عجَّل الله فرجه) وغير مسؤوليَّات السفراء، ولا يُتصوَّر إلغاء أيٍّ من الحُجَج لحجَّة أُخرى، فكما لا تقاطع في النُّظُم الإداريَّة كذلك لا تقاطع في مراتب الحجّيَّة وتراتب الحُجَج.

ولذلك نلاحظ ترحُّم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على عليِّ بن بابويه والد الصدوق (رضي الله عنهما)(٥٣١) وعلى غيره من الفقهاء، مع أنَّهم لم يكونوا سفراء ولا نُوَّاباً خاصِّين، وإنَّما كانوا فقهاء فحسب.

وهكذا لم نلاحظ أحداً من السفراء (رضي الله عنهم) حاول إلغاء دور الفقهاء, بل على العكس كما لاحظنا موقف الحسين النوبختي (رضي الله عنه) في عرض كتابه على فقهاء قم، وما ذلك إلَّا لعدم تقاطع الأدوار والمسؤوليَّات والحُجَج، وأنَّ الفقهاء وزراء معيَّنون من قِبَل الله تعالى كخُدَّام وأنصار للأئمَّة (عليهم السلام)، إذ لـمَّا كان الأئمَّة (عليهم السلام) يحتاجون للمعين والناصر في نشر وإرساء الدِّين الإسلامي، فممَّا لا ريب فيه أنْ يكون الناصر والمعين لهذه المهمَّة من الشرفاء النجباء الحلماء العلماء الأتقياء الصلحاء...، لا من أيِّ جنس ونوع كان، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: ٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. رجال النجاشي (ص ١٠/ الرقم ٧)؛ ورواه الطوسي (رحمه الله) في الفهرست (ص ٥٧/ الرقم ٦١/١).
  2. تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) (ص ٣٤٣/ ح ٢٢١)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ١٥٥).
  3. روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٨/ باب فقد العلماء/ ح ٣) بسنده عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِذَا مَاتَ اَلمُؤْمِنُ بَكَتْ عَلَيْه اَلمَلَائِكَةُ وَبِقَاعُ اَلْأَرْضِ اَلَّتِي كَانَ يَعْبُدُ اَللهَ عَلَيْهَا، وَأَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ اَلَّتِي كَانَ يُصْعَدُ فِيهَا بِأَعْمَالِهِ، وَثُلِمَ فِي اَلْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ لَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ، لأَنَّ اَلمُؤْمِنِينَ اَلْفُقَهَاءَ حُصُونُ اَلْإِسْلَامِ، كَحِصْنِ سُورِ اَلمَدِينَةِ لَهَا».
  4. راجع: كمال الدِّين (ص ٥٠٣/ باب ٤٥/ ح ٣٢).

المصدر : دعوى السفارة في الغيبة الكبرى ـ تأليف : سماحة الشيخ محمد السند.

 

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.6907 Seconds