من هم البترية الذين يقولون للإمام المهدي (عج) "إرجع لا حاجة لنا بك يا إبن فاطمة" ؟

, منذ 8 شهر 550 مشاهدة

لا شكَّ أنَّ القرآن الكريم يُمثِّل أهمّ مصادر التشريع الإسلامي، بل هو الدستور العامّ لكلّ مجالات الحياة، ومنها مجالات العقيدة، وهذا الأمر لا يحتاج إلى بيان.
ولكن الأمر المهمّ هو: أنَّ كون القرآن كذلك لا يعني أنَّ فهمه والاستفادة منه في بعض المجال التخصّصية متاح لكلّ من ادَّعى العلم أو قرأ في القرآن، وإنَّما ذاك أمر خصَّ الله تعالى به بعض الناس، ولا شكَّ أنَّ على رأسهم - بل لا يقاس بهم أحد - هم الأئمَّة (عليهم السلام)، وهو ما أكَّدته الكثير من الروايات الشريفة.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله»(1).
لذلك كان من أهمّ الأخطاء التي وقع فيها فقهاء العامَّة هو تأوّلهم القرآن ومحاولتهم فهمه من دون الرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ما سبَّب إرباكاً في فقههم وعقائدهم وحتَّى أخلاقهم وسلوكياتهم، وهو ما تكشف عنه بعض الروايات الشريفة.
وهذا الخطأ الذي وقع فيه العامَّة، سيقعون فيه وسيقع فيه غيرهم زمن الظهور، فيقوم بعض ممَّن يدَّعي العلم بالقرآن بالتأوّل على الإمام المهدي (عليه السلام) في محاولة لرفض حركته، وإبعاد الناس عن اتّباعه، والإمام (عليه السلام) وبعد أن يلقي الحجَّة عليهم لا يجد مناصاً من مناجزتهم القتال، وهذا أمر عقلائي بل وإسلامي، ولا يؤاخذ به (عليه السلام)، وبعد أن يعملوا على محاربة الإمام بالسلاح.
وقد ذكرت الروايات الشريفة هذه الفتنة، وسمَّت بعضاً ممَّن سيقعون فيها:
عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشدّ ممَّا استقبله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من جهّال الجاهلية»، قلت: وكيف ذاك؟ قال: «إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإنَّ قائمنا إذا قام أتى الناس وكلّهم يتأوَّل عليه كتاب الله يحتجّ عليه به»، ثمّ قال: «أمَا والله ليدخلنَّ عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحرّ والقرّ»(2).
ومن أهمّ الفِرَق التي ذكرت الروايات الشريفة أنَّها ستعترض على الإمام المهدي (عليه السلام) هي فرقة البترية، ولأنَّ هذه الفرقة سبَّبت اليوم فتنة قبل ظهورها، فيحسن بنا إذن أن نتعرَّف عليها بالتفصيل:
البترية:
يظهر من الروايات الشريفة أنَّهم خطّ منحرف عقائدياً، حيث إنَّهم لا يتبرَّؤون من أعداء الإمام علي (عليه السلام)، وإنَّهم بتروا أمر أهل البيت (عليهم السلام) بعدم البراءة من أعدائهم، ولهم جذور تاريخية تمتدُّ إلى زمن الإمام زين العابدين (عليه السلام)، ولمزيد بيان ننقل ما أورده الشيخ الصدوق:
(البترية - بضمِّ الباء الموحَّدة وسكون التاء المثنّاة الفوقية والراء المكسورة -، والنسبة بتري، وهم طائفة من الزيدية يُجوِّزون تقديم المفضول على الفاضل، يقولون: إنَّ أبا بكر وعمر إمامان وإن أخطأت الأُمَّة في البيعة لهما مع وجود علي (عليه السلام)، ولكنَّه خطأ لم ينته إلى درجة الفسق، وتوقَّفوا في عثمان، ودعوا إلى ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويرون الخروج مع بطون ولد علي (عليه السلام)، ويذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُثبِتون لكلِّ من خرج من أولاد علي (عليه السلام) عند خروجه الإمامة، وهم أصحاب كثير النواء والحسن بن صالح بن حيّ وسالم بن أبي حفصة والحكم بن عتيبة وسَلَمة بن كهيل أبي يحيى الحضرمي، وأبي المقدام ثابت بن هرمز الحدّاد.
روى الكشّي بإسناده عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ الحكم بن عتيبة وسَلَمة وكثير النواء وأبا المقدام والتمّار - يعني سالم بن حفصة - أضلّوا كثيراً ممَّن ضلَّ من هؤلاء، وإنَّهم ممَّن قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]»(3).
وروى أيضاً بإسناده عن سدير، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) ومعي سَلَمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحدّاد وسالم بن أبي حفصة وكثير النواء وجماعة منهم، وعند أبي جعفر (عليه السلام) أخوه زيد بن علي (عليه السلام)، فقالوا لأبي جعفر (عليه السلام): نتولّى عليَّاً وحسناً وحسيناً ونتبرَّأ من أعدائهم، قال: «نعم»، قالوا: فنتولّى أبا بكر وعمر ونتبرَّأ من أعدائهم، قال: فالتفت إليهم زيد بن علي (عليه السلام) وقال لهم: أتتبرَّؤون من فاطمة (عليها السلام)، بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذٍ سمّوا البترية»(٤).
وروى بإسناده عن ابن أبي عمير، عن سعد الجلَّاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لو أنَّ البترية صف واحد ما بين المشرق إلى المغرب ما أعزَّ الله بهم ديناً»(5))(6).
وفي بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي (رحمه الله): روى أبو الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل أنَّه قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس يُدعون البترية، عليهم السلاح فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتَّى يأتي على آخرهم»(7).
وهذه الرواية على فرض ثبوتها فيها ما يأتي:
١ - الرواية تتحدَّث عن أُناس منحرفين عقائدياً، حيث أطلقت عليهم الرواية اسم البترية، وهم طائفة من الزيدية يقولون بالنصِّ على أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسنين وزين العابدين (عليهم السلام) فقط، ويدَّعون أنَّ الإمامة بعدهم شورى في أولاد الحسنين لمن قام منهم بالسيف.
٢ - إنَّ هذه الطائفة توالي قوماً غصبوا حقوق أهل البيت (عليهم السلام) وأزالوهم عن مراتبهم.
٣ - إنَّ هؤلاء الأقوام الذين يقتلهم الإمام الحجَّة (عليه السلام) رفعوا السلاح في وجهه وردّوا دعوته ولم يستمعوا إليه.
٤ - إنَّ هؤلاء ليسوا من رجال العلم والعلماء، بل هم من جهلة الأُمَّة، فالروايات تُعبِّر عن علماء الدين برواة الحديث، ففي توقيع الإمام الحجَّة (عليه السلام): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله عليهم»(8).
٥ - ومن هنا يتَّضح أنَّ دعوى قتل الإمام الحجَّة (عليه السلام) لعلماء الدين دعوى باطلة منشؤها الجهل بتعابير الروايات، فأصحاب هذه الدعوى قد وقعوا في جهل مركب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بصائر الدرجات: ٢٢٣ و٢٢٤/ باب في الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم الراسخون في العلم.../ ح ٥.
(2) الغيبة للنعماني: ٣٠٧/ باب ١٧/ ح ١.
(3) اختيار معرفة الرجال ٢: ٥٠٩/ ح ٤٣٩.
(4) اختيار معرفة الرجال ٢: ٥٠٤ و٥٠٥/ ح ٤٢٩.
(5) اختيار معرفة الرجال ٢: ٤٩٩/ ح ٤٢٢.
(6) من لا يحضره الفقيه ٤: ٥٤٤ و٥٤٥.
(7) بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٨/ ح ٨١، عن الإرشاد ٢: ٣٨٤.
(8) كمال الدين: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
شذرات مهدوية ـ تأليف: حسين عبد الرضا الأسدي.

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0564 Seconds