هل سنشاهد وسائل التواصل الإجتماعي في حكومة المهدي (عج) ؟

, منذ 3 شهر 256 مشاهدة

الشيخ ابراهيم الانصاري البحراني

مع التأمّل في الأحاديث التِّي وردت في توصيف دولة الإمام المهدي (عليه السلام) نلاحظ أنَّ مواصفات تلك الدولة المباركة لا تتلاءم مع الدنيا التي نعيش فيها بل تنسجم تماماً مع الجنَّة التِّي كان يعيش فيها آدم (عليه السلام)، فنشير إلى بعض تلك المواصفات:

وصول الإنسان إلى كماله المعنوي

وفي هذا المجال قد وردت أحاديث كثيرة نكتفي ببعضها ففي الكافي بإسناده عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال إذا قام قائمُنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولَهم و كمُلت بها أحلامُهم[1].

ولا يخفى أنَّ وضع اليد على رؤوس العباد كناية عن النظر إليهم نظرة رحيمة بها تفيض النورانيَّة والمعنوية منه (عليه السلام) عليهم و ذلك بعد وصولهم إلى مستوى العبودية التي بها يتمكَّنون من قبول تلك الفيوضات الإلهيَّة، كما أنَّ اجتماع عقولهم يعني وصولهم إلى مرتبة رفيعة من الحذاقة و الحكمة بحيث يمكنهم تحمُّل ذلك الأمر كما سيأتي في بيان قولهم (عليهم السلام) أنَّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ مَلَكٌ مقرَّب أو نبيٌ مُرسَلٌ أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان وفي بعضها أو مدينه حصينة وعندما يسأل الراوي عن المدينة الحصينة يجيبه الإمام الصادق (عليه السلام) بأنَّها القلب المجتمع وهذه الصفة التي يتصف بها أصحاب الحجَّة (عليه السلام) ليست من الصفات التي يتمكَّن الإنسان و هو في عالم الطبيعة وسجن الدنيا أن يكتسبها بل هي صفةٌ نورانيَّة و حالةٌ معنويَّة لا يصل إليها إلاّ من هاجر عالم الطبيعة و انتقل إلى عالم المعنى فرجع إلى الله تعالى، وهذا لا ينافى كونه على وجه الأرض لأنَّ عالم المُلك لا يتحكَّم في مثل هذا الإنسان.

مشاهدة المؤمنين بعضهم بعضاً:

وفي هذا المجال أيضاً وردت أحاديث كثيرة منها ما ورد في الكافي عن أبي الربيع الشامي قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إنَّ قائمنا إذا قام مد الله عز وجل لشيعتنا في أسماعهم و أبصارهم حتى لا يكون بينهم وبين القائم بريد يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه[2].

والمستفاد من هذا الحديث أنَّ القدرة التِّي تُكتسب آنذاك ليست هي قدرةٌ ماديَّة يصل إليها الإنسان من منطلق العلم والتكنولوجيا كما يتصوَّر من ليس له إلمام بواقع الشريعة المقدَّسة و يحاول أن يفسِّرَ كلَّ شيء من منظاره المادِّي الضيِّق فيفسِّر مثل هذه الأحاديث بانتشار أجهزة التلفزيون والإنترنت وما‍‍‍‍‍ شابه ذلك‍‍!! بل الأمر فوق مستوى هذه التخيُّلات الباطلة الزائفة إنَّها قدرةٌ إلهيَّة وقوَّةٌ ربّانية تابعة من مبدأ الكون بنحو مباشر ذلك الذي إذا أراد شيئاً يقول له كنْ فيكون ولذلك نلاحظ اختصاصها بخصوص الشيعة كما ورد في الحديث لشيعتنا فهم الذين يهمُّهم هذا الأمر فيتميَّزون بهذه الصفات حيث يسمعونه (عليه السلام) و ينظرون إليه و هو في مكانه من غير بريدٍ ولا يفرق ذلك بين ما إذا كانوا يعيشون في حياةً مدنيَّةً يمتلكون تلك الأجهزة أو كانوا من أهل القرى والبوادي لم يحضوا من الكهرباء فضلاً عن الأجهزة الكهربائيَّة، فالسبب لوصولهم إلى ذلك المستوى في السمع والبصر ليس هو إلاّ كونهم موالين لذلك الإمام روحي له الفداء والسائرين على نهجه القويم.

وأمّا غير الشيعة فلن يصلوا إلى ذلك المقام مهما ارتفعت مستواهم المادي وكثرت إمكانيّاتهم الظاهريَّة، فإذاً هذه الحالة المميَّزة هي حالةٌ معنوية بحتة لا دخل للمادة وعوارضها في ذلك أصلاً ولم يحدث هذا الأمر إلاّ لأنَّ العالم الذي يعيشه المؤمن آنذاك هو أعلى مستوى من عالم الدنيا الذي هبط فيه آدم وبنوه بل هو جنَّة آدم (عليه السلام) التي بعث جميع الأنبياء لأجل إرجاع الناس إليها.

وفي حديث آخر عن ابن مسكان قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : إنَّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق[3].

و هذا الحديث أيضاً يؤكِّد أنَّ الذي سوف يكتسب تلك المواصفات إنّما هو المؤمن لا غيره من الناس و ذلك في خصوص زمان القائم (عليه السلام) فهو يرى أخاه فهذه الرؤية إنّما هي رؤية معنوية نابعة من إيمانه من ناحية وبلوغه ذلك الزمان من ناحيةٍ أخرى.

ثمَّ إنَّ الأخوَّة في ذلك الزمان ليس هي الأخوَّة النسبيَّة الناشئة من الولادة بل هل نوع خاص من الأخوَّة أشار إليها الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله (إنَّ الله تبارك وتعالى آخى بين الأرواح في الأظلَّة قبل أن يخلق الأجساد بألفي عام فلو قد قام قائمنا أهلِ البيت ورث الأخ الذي آخى بينهما في الأظلة و لم يورث الأخ في الولادة[4]).

أقول: إنَّ عالم الأظلة هو عالم ما قبل انتقال الروح إلى الجسد وهو ذلك الحين الذي كان الإنسان شيئاً غير مذكور وغير معروف وهو العالم الذي يطلق عليه العرفاء بعالم ألست إشارة إلى قوله تعالى (ألست بربكم قالوا بلى[5]) تفصيل الحديث عن ذلك العالم يُطلب في محلِّه.

و في حديث أبي بصير قد ذكر الإمام (عليه السلام) سرَّ ما قد مرَّ فقال أبو بصير (قال أبو عبد الله عليه انه إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى له كل منخفض من الأرض وخفض له كل مرتفع حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته فأيكم لو كانت في راحته شعرةٌ لم يُبصرها[6]).

فمع التأمُّل في هذا الحديث نعرفُ نقاطاً كثيرة نشير إلى بعضها، فقوله إذا تناهت الأمور يدلُّ على أنَّ في بداية ظهوره ليس الأمر كذلك وبذلك يمكن تفسير الأحاديث التي ربَّما يُستشمُّ منها خلاف ما نحن بصدد إثباته فهي إنَّما تشير إلى ما قبل أن تستقرَّ الأمور ويُظهر الله الدين على الدين كلِّه، وأمّا بعد ذلك فالحالة تنعكس تماماً فيرجع المجتمع الإيماني بأكمله إلى الله سبحانه وتعالى.

ثمَّ لا تخفى عليك لطافة المناسبة بين قوله (عليه السلام) إذا تناهت الأمور وبين قوله إلى صاحب هذا الأمر وأمّا قوله (عليه السلام) رفع الله يدلُّ على أنَّ ذلك أمرٌ إلهي لا تحكمه السنن الماديَّة مضافاً إلى كلمة له في قوله (عليه السلام) رفع الله تبارك وتعالى له.. وأيضاً خفض له، فهي تشير إلى أنَّ ذلك يختص به (عليه السلام) فهو الذي يرى الأرض هكذا، وألطف من ذلك كلِّه قوله (عليه السلام) حتى تكون الدنيا عنده فالدنيا خاصَّة لا الأرض تكون عنده.

كما أنَّ الدنيا لا تكون عند غيره كذلك والحاصل أنَّ هذا الحديث أيضاً يؤكِّد على ما أثبتناه من أنَّ دولة المهدي و إن كانت في الدنيا إلاّ أنَّ الظواهر المُلكيَّة الدنيويَّة لا تأثير لها في حكومته (عليه السلام).

 

[1] الكافي ج1 ص 25 رواية 21.

[2] الكافي ج 8 ص 240 رواية 239 باب 8.

[3] بحار الأنوار ج 52 ص 391 رواية 213 باب 27.

[4] الفقيه ج4 ص352 رواية5761 باب2.

[5] الأعراف 172.

[6] بحار الأنوار ج 52 ص 328 رواية 46 باب 27.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0341 Seconds