دراسة تحليلية في ضوء النص والعقل والتاريخ
المقدّمة
تشكّل قضية الإمام المهدي محوراً مركزياً في العقيدة الإسلامية عموماً، وفي المدرسة الإمامية خصوصاً؛ إذ تمثّل حلقة الوصل بين الإيمان بالغيب ومسار التاريخ الإنساني. غير أنّ السؤال العميق الذي يواجه الفكر العقدي ليس فقط: متى يظهر الإمام؟ بل: هل نحن – أفراداً وأمّة – نملك الوعي الكافي الذي يؤهّلنا لمرحلة الظهور؟
وهل مرحلة الغيبة مجرد غيابٍ زمني، أم هي ساحة امتحانٍ تاريخي يُصاغ فيها الوعي، وتُختبر فيها الإرادات؟
إنّ تحليل مفهوم الوعي قبل الظهور، وفلسفة الامتحان البشري، يُظهر أن الغيبة ليست فراغاً، بل مشروع إعداد إلهي طويل الأمد، يُعاد فيه بناء الإنسان ليكون قادراً على تحمّل مسؤولية دولة العدل الإلهي.
أولاً: مفهوم الوعي المهدوي
1. الوعي بوصفه إدراكاً وجودياً
الوعي المهدوي لا يختزل في المعرفة النظرية بوجود الإمام، بل هو:
• إدراك لعالمية المشروع الإلهي.
• فهم لطبيعة الصراع بين الحق والباطل.
• شعور بالمسؤولية تجاه إصلاح الذات والمجتمع.
• استعداد دائم لنصرة العدل.
فالإنسان قد يؤمن عقائدياً بالإمام، لكنه يفتقر إلى وعي الدور التاريخي الذي يُفترض أن يضطلع به. الوعي هنا انتقال من الإيمان الساكن إلى الإيمان الفاعل.
2. الوعي بين النصّ والواقع
النصوص الروائية المتعلّقة بالغيبة تكرّر مفردات: الامتحان، التمحيص، الغربلة، الحيرة.
وهذا يدل على أنّ مرحلة ما قبل الظهور ليست حالة استقرار نفسي أو فكري، بل مرحلة صراعٍ معرفي وأخلاقي يُصقل فيها المؤمن.
ثانياً: الغيبة بوصفها امتحاناً إلهياً
1. الامتحان سنّة قرآنية
القرآن الكريم يؤكّد أنّ الامتحان قانون عام يشمل الأفراد والأمم:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
فالإيمان الذي لا يُختبر لا يترسّخ، والولاء الذي لا يُمحّص لا يُعوّل عليه.
2. الغيبة امتحان في مستويات ثلاثة
أ. الامتحان العقدي
هل يستمر الإنسان بالإيمان بالإمام رغم طول الغيبة؟
إن طول الانتظار يكشف الفرق بين من يرتبط بالفكرة إيماناً، ومن يرتبط بها عاطفة مؤقتة.
ب. الامتحان الأخلاقي
الغيبة تضع الإنسان أمام سؤال:
هل تلتزم بالعدل في غياب الدولة العادلة؟
هل تُجسّد القيم المهدوية قبل قيامها سياسياً؟
ج. الامتحان التاريخي
التاريخ يكشف أنّ كثيراً من الأمم لم تخذل أنبياءها في زمن الغيب فقط، بل في زمن الحضور أيضاً.
إن الامتحان الحقيقي هو في إرادة التغيير لا في انتظار التغيير.
ثالثاً: لماذا يحتاج الظهور إلى وعي سابق؟
1. لأنّ المشروع عالمي لا محلي
المشروع المهدوي ليس إصلاحاً جزئياً، بل تغييراً حضارياً شاملاً.
والتحول الحضاري يتطلّب:
• نضجاً فكرياً.
• استعداداً جماعياً.
• قاعدة واعية قادرة على حمل الرسالة.
2. لأنّ التجارب التاريخية أثبتت خطورة الجهل
تجربة الأنبياء تُظهر أن المجتمعات غير الواعية:
• إمّا تُفرّط بالقائد.
• أو تنقلب على مشروعه.
• أو تختزله في شعارات دون تطبيق.
فهل الوعي شرطٌ للظهور؟
من زاوية سنن التاريخ، نعم؛ لأن القابلية شرط في تحقّق الفعل.
رابعاً: مظاهر ضعف الوعي قبل الظهور
يمكن رصد صور من الاختلال في الوعي المهدوي، منها:
1. تحويل الانتظار إلى سلبية قاتلة.
2. اختزال المشروع في بُعد عاطفي دون إصلاح ذاتي.
3. انتظار المعجزة مع رفض التغيير الواقعي.
4. تضخيم الإحباط الفردي واعتباره قدراً نهائياً.
إن أخطر ما في ضعف الوعي هو اعتقاد الإنسان أنه غير معني بالتمهيد، أو أنه ضحية قدرٍ لا دور له في تغييره.
خامساً: فلسفة الامتحان وتأهيل النخبة
الروايات تشير إلى أنّ أنصار الإمام يُغربَلون غربلة شديدة.
والغربلة تعني:
• سقوط الدوافع غير الخالصة.
• انكشاف أصحاب المصالح.
• بقاء الصفوة الصابرة الواعية.
الامتحان هنا ليس عقوبة، بل عملية إعداد.
كما يُصهر الحديد في النار ليصبح أصلب، كذلك يُمتحن الإنسان ليُصبح أقدر على تحمّل مسؤولية الدولة العادلة.
سادساً: الوعي بين الألم والأمل
مرحلة الغيبة قد تولّد:
• شعوراً بالظلم.
• إحباطاً من الواقع.
• تساؤلات وجودية.
لكن الوعي الصحيح يحوّل الألم إلى:
• طاقة إصلاح.
• مراجعة ذاتية.
• بناء داخلي.
فالإنسان الذي يتألّم من غياب العدل، عليه أن يبدأ بإقامة العدل في دائرته الصغيرة.
والذي يحزن لغياب الإمام، عليه أن يسأل:
لو ظهر اليوم، هل أكون من أنصاره فكراً وسلوكاً؟
سابعاً: البعد المعرفي في الوعي المهدوي
لا يكفي الإيمان العاطفي.
بل لا بد من:
• دراسة النصوص بعقل نقدي.
• فهم سنن التاريخ.
• إدراك طبيعة الصراع الحضاري.
• التمييز بين الأمل الواقعي والوهم.
إن الوعي المهدوي هو وعي مركّب يجمع بين:
• الغيب والشهادة.
• العقيدة والعمل.
• الانتظار والحركة.
________________________________________
الخاتمة
إنّ الوعي قبل ظهور الإمام ليس ترفاً فكرياً، بل شرطاً وجودياً في مشروع التمهيد.
والامتحان البشري في زمن الغيبة ليس ظلماً إلهياً، بل عدالة تربوية تستخرج جوهر الإنسان.
فالغيبة ليست غياب قائد فحسب، بل حضور مسؤولية.
والمشكلة ليست في طول الانتظار، بل في عمق الاستعداد.
إن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح باستمرار:
هل ننتظر الظهور، أم نُهيّئ أنفسنا له؟
ذلك أن الوعي هو الجسر بين الغيبة والظهور،
والامتحان هو الطريق إلى الصفوة،
والإنسان هو نقطة التحوّل في معادلة التاريخ.