دور الإمام العسكري (ع) في الإعداد لغيبة المهدي (عج)

, منذ 2 اسبوع 92 مشاهدة

الإرهاصات على قسمين:

الإرهاصات العامـة:

وهـي التـي تـكـفـل بـهـا الله من وأعـدها لوجـود الإمام المنتظر لا ولغيبتـه، ومنهـا الأحاديث التي وردت عـن النبـي المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله)، والتي لا تفسير لهـا إلا وجـود إمـام غائـب كـمـا فـي صحاح العامـة: «لا يزال هـذا الـدين قائما حتـى يـكـون عـلـيـكـم اثنـا عـشر خليفة، كلهـم مـن قـريش»(1)، أو «كلهـم مـن بنـي هـاشـم(2)، فعبـارة: «لا يزال هـذا الـدين قائمـاً حتـى يـكـون علـيكم اثنـا عـشـر خليفـة، توضـح أن هؤلاء الاثني عشر خليفـة يبـقـون مـواكبين للدين إلى يوم القيامة، وهـذا لا تفسير له إلا بوجود إمـام وهـو الإمام الثاني عشر؛ لأنـه لـو لـم يكـن مـوجـوداً لكـان هذا الحديث كذباً، فلا بد من وجود اثني عشر إمـام يـبقـون مع بقاء الدين إلى يوم القيامة، وبما أن الأحد عشر قد توفوا، فلا بد من وجود شخص يكون مواكب الماء الدين إلى يوم القيامة.

وهذا أيضأ ما يؤكده حـديث الثقلين: «إني مخلـف فـيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيشي، ما إن تمسكتم بهمـا لـم تـضلوا بعدي أبـدأ وقيد أنساني الخير اللطيف أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما"(3)، أي يبـقيـان مـتـواكبين إلـى يـوم القيامة، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهوراً، أو خالفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيناته (4)، وهذه الأحاديث تؤكد مسألة الغيبة.

تمهيد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) للحجة (عليه السلام):

الإرهاص الثاني: وجود الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):

إن وجـود الإمام العسكري (عليه السلام) هـو وجـود تمهيـدي إعـدادي لوجـود الإمام المهدي (عليه السلام)، فالمؤرخون عنـدما يتحدثون عن الإمـام الحسن العسكري يـذكرون أنـه كـان لـه تـأثير غريـب علـى مـن يلتقي به وعلى من ينظر إليه، حتى على أعدائه.

مثلاً يقول الحسن بـن مـحـمـد الأشعري ومحمد بن يحيى وغيرهما كـان أحمـد بـن عـبـد الله بن خاقان على الضياع والخـراج بقـم، فجـرى فـي مجلسه يومـا ذكـر العلويـة _ أبنـاء أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كـان شـديد النصب والانحراف عـن أهـل الـبيـت (عليهم السلام)، فقال: ما رأيت ولا عرفت بـسـر من رأى رجلا من العلويـة مثـل الحسن بن علي بن محمـد بـن الرضـا فـي هديـه وسكونه وعفافـه ونبـلـه وكبـره عنـد أهـل بيتـه وبنـي هاشـم كـافـة، وتقديمهم إياه على ذوي السن مـنهم والخطر، وكذلك كانت حالـه عنـد القـواد والوزراء والعامة، وأذكـر أنـي كنـت يوماً قائماً على رأس أبـي وهـو يـؤم مجلسه للناس، إذ دخـل حجابه فقالوا: أبـو مـحـمـد بن الرضـا بالباب، فقـال بصوت عالٍ ائذنوا لـه، فتعجـبت ممــا سمعته منهم، ومـن جـسـارتهم أن يكنوا رجلاً بـحضـرة أبي، فدخل رجـل أسمر، حسن القامة، جميل الوجه، جيـد البـدن، حـدث الـسـن، لـه جلالة وهيئة حسنة، فلما نظر إليه أبـي قـام فمشى إليه، ولا أعلـم فـعـل هـذا بأحـد مـن بني هاشم والقـواد، فلما دنا منه عانقه وقبـل وجـهـه وصـدره، وأخـد بيـده وأجلسه علـى مـصـلاه الـذي كـان عليه، وجلس على جنبـه مقـبلاً عليه بوجهـه وجعل يكلمه ويفديـه بنفسه وأنـا متعجـب ممـا أرى منه، إذ دخـل الحاجب فقال: الموفـق قـد جـاء، وكان الموفـق إذا دخـل عـلـى أبـي تقدمه حجابـه وخاصـة قـواده، فقاموا بين مجلـس أبـي وبـيـن الـدار سـماطين إلى أن يدخل ويخرج، فلم يزل أبي مقبلاً على أبـي مـحـمـد يحدثه حتى نظـر إلـى غلمان الخاصة، فقـال حينـئذٍ له: إذا شئت جعلني الله فـداك، ثـم قـال لحجابه: خـذوا بـه خـلـف السماطين لا يراه هذا ـ يعني الموفق _ فقام وقام أبي وعائقه ومضى فقلت لحجاب أبي وغلمانه: ويلكـم مـن هـذا الـذي كـنيتـمـوه بـحـضـرة أبـي وفعـل بـه هـذا الفعـل؟ فقالوا: هـذا عـلـي يقـال لـه الحـسـن بـن علـي يعـرف بـابن الرضـا، فازداد تعجبـي، ولـم أزل يـومـي ذلـك قلقاً متفـكـرأ في أمـره وأمـر أبـي، ومـا رأيتـه فيـه حتـى كـان الليل، فلمـا صـلى وجلس جئت فجلست بـين يديه ولـيـس عنـده أحـد، فقـال لي: يـا أحمـد، ألـك حاجـة؟ قلت: نعـم يـا أبـة، فـإن أذنت سألتك عنها، فقال: قد أذنت، فقلت: يـا أبـة مـن الرجـل الـذي رأيتـك بالغـداة فعلـت بـه مـا فعلـت مـن الإجلال والإكرام والتبجيـل، وفديته بنفسك وأبويك؟ فقال: يا بني ذاك إمـام الرافـضة الحسـن بن علي المعروف بابن الرضا.

الإرهاصات الخاصة الإمـام العسكري (عليه السلام) مارس دوريـن إعـداديين لغيبـة ولـده الإمـام المنتظر:

الدور الأول: تربية المجتمع الشيعي على الاعتماد على السفراء، فصار الإمـام العسكري يحتجـب شـهوراً عـن النـاس، ويأمرهم بالاعتمـاد على وكلاته وعلى علماء الشيعة آنذاك، حتـى يـعـودوا على غيبة الإمام واستقبال الغية، لأن النـاس لـو حصلت لهم الغيـبة فجأة لأصابهم الارتداد وأصابتهـم صـدمة نفسية، كالطالـب فـي الـصـف الـذي يطلـب منـه الامتحان بدون تحضير فهو سيصاب بالإحباط والصدمة النفسية.

أيـضـا الغـيبـة مـا جـاءت دفعيـة، بـل جـاءت قبلهـا إعـدادات وإرهاصـــات، فالإمـــام العــسكــري (عليه السلام) عـود الـشيعة علـى الاعتمـاد علـى ســــفراته ووكلاتــه، حتـى كـــان الــشيعة يعطــون أمـــوالهم وحقوقهم لعثمـان بـن سعيد العمــري الـسمـان _ حيـث كـان يـبـع لم وكان يدع الأموال في جراب السمن وكان يضع الأموال في جراب السمن ويأتي بها الى الإمام العسكري (عليه السلام).

الإعلان العام والخاص عن الإمام المهدي (عليه السلام):

الدور الثاني: الإعلام، فقد أعلن عن ولده الإمام المهدي بشكل تدريجي، إعلاناً عاماً ثم إعلاناً خاصاً ثم إعلانا أخص، اولاً أعلن إعلاناً عاماً بقوله (إذا قام القائم أمر بهدم المنائر والمقاصير التي في المساجد) (5)، فهذا إعلان عام.

وهنـاك إعلان خاص لوجهاء الشيعة، فقد كتب إلى ابن بابويه (عليك بالصبر وانتظار الفرج، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أفضل أعمال امتي انتظار الفرج. ولا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشر به النبي (صلى الله عليه وآله) يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملت جوراً وظلماً، فصبر يا شيخي يا أبا الحسن علي، وأمر جميع شيعتي بالصبر، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة المتلقين، والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته) (6).

وهناك إعـلان اخـص، فعـن ابـي غـانـم الخـادم قـال: ولـد لابـي محمـد (عليه السلام) ولـد فسماه محـمـداً، فعرضـه علـى أصحابه يـوم الثالث، وقال: «هـذا صاحبكم مـن بعـدي، وخليفتي عليكم، وهو القائم الـذي تـمتـد إليـه الأعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً) (7).

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع مسند احمد 5: ۱۰۸-8۷ صحيح البخاري ۸- ۱۲۷؛ صحيح مسلم ٦ : ٣؛ سنن ابي داود 2: 309؛  سنن الترمذي ٣: ٣٤٠؛ (رووه بتفاوت في اللفظ دون أن يـخـل بالمعنى).

(2) ينابيع المودة 2: 315/ ح908، و3: 290/ لباب 77/ ح5.

(3) رواه جمهور العامة وفضلا عن الخاصة بتفاوت في الألفاظ، والمعنى واحد، راجع على سبل السلام المثال لا الحصر: كمال الدين: ۲34 – ۲4۱/ باب ۲۲/ حح44-65؛ سنن الترمذي 5: 328؛ سنن النسائي 5: 45.

(4) نهج البلاغة 4: 37/ رقم 147.

(5) غيبة الطوسي: 206/ ح175.

(6) مناقب آل أبي طالب 3: 527.

(7) كمال الدين: 431/ باب 42/ ح8.

المصدر: آفاق مهدوية / محاضرات حول الإمام المهدي (عليه السلام)، بتصرف.

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0624 Seconds