حكومة الصالحين للأرض ضرورة تكوينية

, منذ 3 شهر 149 مشاهدة

السيد أحمد الأشكوري

إنّ حكم الصالحين قانون تكويني، لأن حكومات الظالمين على خلاف نواميس الخلقة، والمجتمع البدائي ـ وإن كان متقدماً تكنلوجياً ـ إلا أنه يحكمه الظلم والظالم.

وكلما تكامل وسار في طريق العدالة الاجتماعية على المستوى التنظيري والأيدلوجي اقترب إلى حكومة الصالحين. فهو أمر يقتضيه النهج التكاملي والرقي بالمجتمع تقنيناً.

وبكلمة: بعدما كان هناك خير وكمال، والمجتمع بتكامله ونضجه العلمي والفطري يسير نحو الخير، من هنا لا بدّ للحركة التكاملية من غاية جمالية يرتسمها ويسير نحوها وفق قوله تعالى: (ولقد كتبنا فِي الزبور من بعد الذكر أَن الأْرض يرثها عبادِي الصالحون[1])، وهذا قانون تكويني قبل أن يكون وعداً إلهياً. وقد ورد في الكتب السماوية كافة من قبل أن الصالحين سيرثون الأرض ويسكنون فيها، فإن عالم الوجود والخلق محكوم بقانون النظم, ولا مجال للفوضى فيه مطلقاً، ووجود نظام الخلقة سيكون دليلاً على قبول نظام اجتماعي صحيح في مستقبل عالم الإنسانية، ثمّ إن قوله تعالى: (وما خلقت الجن والانس إِلا ليعبدون[2])، إشارة إلى أن الهدف النهائي هو حكومة عادلة راسخة الأسس ينتشر فيها الحق والأمن والاطمئنان، وتكون ذات تحصينات أسسها العبودية إلاّ أنها عبادة لا يحتاج الله إليها. وهدفها تربية البشر وتسامي النفوس. وأن تتلاقح العبودية والربوبية، فهي خالية من شوائب الرذائل والأهواء, ولا يمكن أن تتحقق هذه الغاية إلاّ بتشكيل حكومة عادلة يقودها الصالحون. لا أنّ جميع ما في الكون يكون صالحاً؛ لأن الإنسان خُلق حراً ومجال الإنحراف فيه موجود.

ومن هنا جاءت فكرة التعايش السلمي في ظل الحكومة المنشودة فلأهل الكتاب مكان واسع وحرية كاملة وعلى جميع الآفاق ثمّ أن هذه الضرورة التكوينية قد نطقت به الآثار النقلية أيضاً وقد ورد في رواية جابر قال: يا رسول الله, وللقائم من ولدك غيبة؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أي وربي، (ليمحص اللَه الذين آمنوا ويمحق الكافرين[3]) ثمّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا جابر إن هذا أمر من أمر الله وسرّ من أسرار الله, فإيّاك والشك, فإنّ الشك في أمر الله عز وجل كفر).

وحين نستعرض جملة من الآيات القرآنية مثل قوله تعالى:

(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين[4]).

(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم[5])

(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون[6]).

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون[7]).

نجد أن هذه الآيات فيها دلالة واضحة على أن مصير الكون سيكون بيد الصالحين، وأن حركة المجتمع لا بدّ أن تصل إلى هدفها وغايتها المرسومة لها. وهي حكومة الصالحين وأن يسود العدل في المجتمع. وأن هذا وعد إلهي وسُنّة كونية وأمر فطري منشود.

وأما الروايات التي رواها السُنّة والشيعة ففيها من الدلالة _ ولو التزاماً _ على فكرة المنقذ العالمي والمصلح، وإن اختلفت المدارس الدينية في تحديد هويته هل هو المسيح أم غيره؟ هل هو موجود أم سيولد؟ هل هو مبهم أم معين؟ وسنكتفي بالإشارة إليه في ضمن الروايات الإسلاميّة, فإنه في هذا المضمار يمكن أن يقال:

1 _ البشارة بظهوره (657) رواية.

2 _ إنه من أهل بيت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم (389) رواية.

3 _ إنه من أولاد الإمام عليّ عليه السلام (214) رواية.

4 _ إنه من أولاد فاطمة الزهراء عليها السلام (192) رواية.

5 _ إنه من أولاد الحسين عليه السلام (148) رواية.

6 _ إنه من أولاد الإمام زين العابدين عليه السلام (185) رواية.

7 _ إنه من أولاد الإمام الحسن العسكري عليه السلام (146) رواية.

8 _ إنه يملؤ الأرض قسطاً وعدلاً (132) رواية.

9 _ إنه له غيبة طويلة (91) رواية.

10 _ إنه يعمر عمراً طويلاً (318) رواية.

11 _ الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهم السلام (136) رواية.

12 _ الإسلام يعم العالم كله بعد ظهوره (27) رواية.

13 _ الروايات الواردة حول ولادته (214) رواية.

وبهذا نقول: ليس المهدي تجسيداً لعقيدة إسلاميّة ذات طابع ديني، بل هو عنوان لطموح اتجهت إليه البشرية، وصياغة لإلهام فطري، فالكل آمن في وجدانه بهذه الصياغة وهذا الطموح مع تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب، بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتد إلى غيرهم أيضاً، وانعكس حتّى على أشد الايدلوجيات بعداً عن ما وراء المادة كالشيوعية.

ونرى الإنسان اليوم قد سحق الفضائل والمنابع المعنوية، وإن كان قد سخّر البحر والفضاء والصحراء لصالحه. ومن البديهي إنه لا يمكن إقرار العدالة بالقوة ولا يمكن تضمين سعادة البشرية بالإنجازات العلمية. فلا بدّ للإنسانية من التحرك نحو الإيمان والأخلاق لتنجي نفسها من دوامة الخطر بقيادة مصلح عالمي عظيم ذي خصال فريدة قادر على إدارة هذا المشروع الإلهي. وللقضية المهدوية مؤشرات ايجابية أخرى كإعطاء الأمل للمؤمنين وكونه (كلمة اللَّه هي العليا)، (وعد اللَه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحاتِ ليستخلفنهم فِي الأْرض).


[1] الأنبياء: 105.

[2] الذاريات: 56.

[3] آل عمران: 141.

[4] القصص: 5.

[5] النور: 55.

[6] الأنبياء: 105.

[7] الصف:9.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0218 Seconds