ما هي العلاقة بين الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وأصحاب الكهف ؟

, منذ 5 شهر 528 مشاهدة

قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ (الكهف: ١٠ - ١٢).

كان عند أصحاب الكهف تمام التوجُّه إلى الباري تعالى، واستمدُّوا منه الرشاد في مقابل طغيان النظام العاتي الدقيانوسي الذي كانوا يعيشون في ظلِّه، حيث يذكر القرآن الكريم ملخَّص القصَّة في ثلاث آيات بعد أنْ فرُّوا من ذلك المجتمع الفاسد الظالم, وبعدما انقرض وباد مُلك دقيانوس وبادت معالم المجتمع الكافر وتبدَّل إلى مجتمع موحِّد, فكان البقاء والعاقبة للموحِّدين وللمتَّقين, وهم الذين يورثهم الله العاقبة, وهذه سُنَّة الله أنَّ العاقبة للمتَّقين, العاقبة لأهل التقوى واليقين, وليست العاقبة للجاحدين والمكذِّبين والمنكرين والمفسدين والظالمين. ثمّ تستعرض الآيات الأُخرى بشكل مفصَّل تلك الواقعة. هذه الظاهرة نفسُها فيها أبعاد كثيرة, فأوَّل بُعد فيها يتراءى للنُّظَّار وللقارئ لهذه الآيات أنَّ القرآن الكريم يتعرَّض إلى نمط الإرهاصات الغيبيَّة غير المألوفة لدى البشر من وجود ثُلَّة فتية مؤمنة رشيدة تستمدُّ من الله الهداية والرشاد، وأنَّهم مجموعة أو طائفة من بين المجتمع كانت على هدى من ربِّها على رغم أنَّ غالبيَّة المجتمع كانت على نهج الضلال. ورغم هذا التفاوت والمفارقة في النسبة والقوَّة والعدَّة والعدد لم يُثنهم عن الثبات على نهج الحقِّ, هذه خصلة مهمَّة يُطلِعنا عليها القرآن الكريم، وهذا درس للمؤمنين في وعد الله بإظهار هذا الدِّين على الدِّين كلِّه ولو كره المشركون، على يد المهدي (عجَّل الله فرجه) من ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذرّيَّة فاطمة وعليٍّ (عليهما السلام), والمؤمنون بهذه العقيدة والحقيقة القرآنيَّة يجب أنْ لا تضرَّهم ولا تبئسهم القلَّة في مقابل كثرة ممَّن لا يعتقد بالإسلام أو لا يعتقد ولا يؤمن بظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً، أو يُكذِّب بهذه العقيدة.

المهمَّة الأولى: الثبات والإيمان:

والمسؤوليَّة والمهمَّة الأُولى التي تقع على حزب المؤمنين, هي الثبات والإيمان، وهم حزب عليِّ بن أبي طالب، وحزب إمامة ولده المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه سيُظهره الله لإصلاح الأرض ليملأها قسطاً وعدلاً, هذه الثُّلَّة المؤمنة يجب أنْ لا يثنيها قلَّتها في مقابل كثرة المكذِّبين أو المنكرين أو الجاحدين أو الظالمين أو المفسدين، لأنَّ نهج الحقِّ يبقى، والعاقبة لأهل التقوى ولأهل اليقين, وهذا مثل الفتية في كيفيَّة قيامهم بمسؤوليَّة الثبات على الدِّين رغم أنَّهم ليسوا بحُجَج, وإنَّما هم ثُلَّة مؤمنة من أهل الإيمان, فهذه خصلة مهمَّة أُولى.

المهمَّة الثانية: الغيبة والخفاء:

هناك المحور الثاني والعِظة والعبرة الثانية التي يسطرها لنا القرآن الكريم في أصحاب الكهف, حيث يُبيِّن لنا نوعاً من الإرهاصات الخاصَّة الغيبيَّة التي لم يألف ويأنس بها البشر, وربَّما يستنكرونها ويجحدونها, وهي أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قد يُغيِّب ثُلَّة بشريَّة سنين ومئات السنين ثمّ يُظهرها لهم, وهذه ليست أُسطوريَّات, وحاشا للقرآن هذا العبث، فهو ذكر وليس بشعر, ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (يس: ٦٩)، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧), هو ذكرى وذكر لمن يريد أنْ يبصر ويطَّلع على الحقيقة, فسورة الكهف هي في الواقع - كما يُعبِّر بعض المحقِّقين - كهف الأسرار وكهف المعارف, اسم على مسمَّى, وهي شديدة الصلة بغيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه), وكما مرَّ بنا أنَّ المصادر التاريخيَّة تنقل قراءة سيِّد الشهداء (عليه السلام) لمطلع آية في هذه السورة: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ (الكهف: ٩)(2), إذ إنَّ صلة وطيدة ببقاء الدِّين والحفاظ على الدِّين, كما قام به سيِّد الشهداء (عليه السلام), وبإمامة أهل البيت (عليهم السلام) وكيفيَّة مآل الأُمور إلى ظفرهم بوراثة الأرض وتدبير زمام أُمورها في العلن بيدهم, وإلَّا فإنَّ الجهاز الإلهي والحكومة الإلهيَّة في الخفاء بيدهم, كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام) للمفضَّل بن عمر: «مقصِّرة شيعتنا تقول: إنَّ معنى الرجعة أنْ يردَّ الله إلينا مُلك الدنيا فيجعله للمهدي، ويحهم متى سُلِبنا المُلك حتَّى يُرَدَّ إلينا؟»، قال المفضَّل: لا والله يا مولاي ما سُلبتموه ولا تُسلَبونه لأنَّه مُلك النبوَّة والرسالة والوصيَّة والإمامة، قال الصادق (عليه السلام): «يا مفضَّل، لو تدبَّر القرآن شيعتنا لما شكُّوا في فضلنا...»(2).

وكأنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يشير إلى ما أشار إليه القرآن الكريم في آل إبراهيم (عليه السلام) الذين أُوتوا الإمامة: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ (النساء: ٥٤)، المُلك العظيم هو الخلافة الإلهيَّة التي يُطوِّع الله (عزَّ وجلَّ) عليها كلَّ الملائكة, وأيضاً ملك في الجانب المادِّي، وهو الذي استعرضته لنا سورة الكهف مثل وجود جهاز خفي وشبكة خفيَّة تقوم بأدوار مفصليَّة هي أقوى الحكومات بالقياس إلى الحكومات البشريَّة الأُخرى، لأنَّها تخترق تلك الحكومات.

وجود الخليفة في الأرض:

إنَّ المُلك والحكومة للخليفة في الأرض تترافق مع طاعة جميع الملائكة, وخلفاء الله في الأرض هم خلفاء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الاثني عشر, وثاني عشرهم الإمام المهدي, هذه الطاعة هي قدرة ونفوذ يُصوِّرها لنا القرآن الكريم كحقائق قرآنيَّة في سورٍ قرآنيَّة سبع عن شأن الخلافة الإلهيَّة والاستخلاف الإلهي, وجعل ثُلَّة من البشر المستضعفين أئمَّة, كما في قوله تعالى لإبراهيم (عليه السلام): ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ (البقرة: ١٢٤), وقوله تعالى في شأن يعقوب وإسحاق من ذرّيَّة إبراهيم (عليهم السلام): ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤), مع أنَّ التاريخ لم يُحدِّثنا بأنَّ آل إبراهيم (عليه السلام) ملكوا ملكاً أو حكموا حكماً ظاهريًّا, ورغم ذلك تصف سورة النساء أنَّ آل إبراهيم (عليه السلام) أُوتوا إلى جانب الكتاب والحكمة وهي النبوَّة أُوتوا المُلك العظيم: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ (النساء: ٥٤), فأيُّ مُلك عظيم هذا؟ في بُعده الملكوتي وفي بُعده المادِّي والمُلكي, في بُعده الملكوتي: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي أطيعوا واخضعوا, ﴿فَسَجَدُوا﴾ (البقرة: ٣٤)، كلُّ الملائكة بكلِّ طبقاتهم من مقرَّبين ومن ملائكة السماء ومن ملائكة الأرض وما شابه ذلك, لما فضَّل الله وزوَّد به خليفته في الأرض من علم يتقاصر عنه علم جميع الملائكة, ومن ثَمَّ هو الذي علَّمهم الأسماء كلَّها, فالخليفة يُعلِّم الملائكة تلك الأسماء وهم يتَّبعونه في ذلك: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: ٣١ - ٣٣), هذا بُعد وجناح وذراع من أذرع الحكومة التي يتولَّاها ويتصدَّى لها خلفاء الله في الأرض المنصوبون أئمَّة على الخلائق، وهو مقام ومنصب إلهي. وما تذكره لنا سورة الكهف من وجود شبكة بشريَّة كما في مثال الخضر وظاهرة الخضر مزوَّدون بالعلم اللدنِّي, ويقومون بأدوار مفصليَّة حسَّاسة في مسار النظام البشري, وتهيمن هذه الحكومة الخفيَّة على أدوار الأنظمة البشريَّة الأُخرى, وتكون تلك الأنظمة والحكومات البشريَّة الأُخرى وحتَّى الكبرى أو العظمى منها حكومات صغيرة بالقياس وبالمقارنة إلى نفوذ ونفاذ وقدرة تلك الحكومة والجهاز الإلهي الخفي.

فهذا هو المُلك الذي لا يُسلَب من خلفاء الله في الأرض, وإنْ سُلِبَ في السطح المكشوف الظاهر غير العميق في إبصار ورؤية حقيقة مسلسل الأحداث في النظام البشري, ففي ظاهر الحال الدول العظمى الموجودة ودول العالم الثاني ودول العالم الثالث كلُّها تُدبِّر وتدير شؤون أرجاء الكرة الأرضيَّة, هذا في ظاهر الحال في النظرة غير الثاقبة, أمَّا النظرة القرآنيَّة فتقول: كلَّا, إنَّما هناك جهاز إلهي حكومي بيد خليفة الله يتغلغل في الأنظمة الأُخرى, وله أدوار حاسمة في درء الفساد ولو في درجة السقف الأدنى أي الحدِّ الخطير من الفساد, ويبثُّون العدالة والقسط بدرجة السقف الأدنى, ويحولون دون قطع النسل البشري بسبب نزوات تلك الأنظمة التي تحكم الأرض, ويحولون دون ذلك إلى أدنى درجة من الصلاحيَّة إلى أنْ يحين الوقت المعلوم للظهور, أي للبروز على المكشوف لإرساء تلك الحكومة الإلهيَّة في العلن, بدلاً من أنْ تكون في مرحلة الخفاء.

نعم هذا هو المُلك الذي يقول عنه صادق آل محمّد (عليه السلام): «متى سُلبنا المُلك حتَّى يُرَدَّ إلينا؟».

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ: مُرَّ بِهِ - أي رأس الحسين (عليه السلام) - عَلَيَّ وَهُوَ عَلَى رُمْحٍ وَأَنَا فِي غُرْفَةٍ، فَلَمَّا حَاذَانِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾، فَقَفَّ وَاَلله شَعْرِي، وَنَادَيْتُ: رَأْسُكَ وَاَلله يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ. الإرشاد (ج ٢/ ص ١١٧).

(2) الهداية الكبرى (ص ٤١٩)، بحار الأنوار (ج ٥٣/ ص ٢٥ و٢٦).

المصدر : الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والظواهر القرآنية ـ سماحة الشيخ محمد السند.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0580 Seconds