لماذا يؤكد أهل البيت على أهمية انتظار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ؟

, منذ 1 شهر 205 مشاهدة

يُعَدُّ الانتظار في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من الوظائف الأساسيَّة في عصر الغيبة، وقد نبَّه الإمام الصادق (عليه السلام) على هذه الوظيفة الكفيلة ببناء الفرد بناءً إسلامياً صحيحاً، فضلاً عن كونها عبادة.

فقد أخرج الترمذي والطبراني عن عبد الله، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «سَلُوا اَللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اَللهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ العِبَادَةِ اِنْتِظَارُ الفَرَجِ»(1).

وهناك أحاديث كثيرة بهذا المعنى، عن أمير المؤمنين الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)(2)، وزين العابدين (عليه السلام)(3)، وكذلك عن ابن مسعود(4)، وأنس(5)، وابن عبَّاس(6)، وابن عمر(7).

ومن هنا قام الإمام الصادق (عليه السلام) ببيان صفات وواجبات المنتظِر للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، مسلِّطاً الضوء على آثار الانتظار وفوائده، محثًّا عليه، مبشِّراً المنتظِرين لظهوره (عجَّل الله فرجه) بأنَّهم من الأولياء الصالحين، والقدوة الربَّانيِّين، ونحو هذا من الأُمور الأُخرى التي يمكن عرضها - من خلال أحاديثه (عليه السلام) - بالصورة الآتية:

١ - توقُّف قبول العمل على الانتظار:

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا لَا يَقْبَلُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) مِنَ العِبَادِ عَمَلاً إِلَّا بِهِ؟»، فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ [وَرَسُولُهُ]، وَالإِقْرَارُ بِمَا أَمَرَ اَللهُ، وَالوَلَايَةُ لَنَا، وَالبَرَاءَةُ مِنْ أَعْدَائِنَا - يَعْنِي الأَئِمَّةَ خَاصَّةً -، وَاَلتَّسْلِيمَ لَهُمْ، وَالوَرَعُ، وَاَلاِجْتِهَادُ، وَاَلطُّمَأْنِينَةُ، وَاَلاِنْتِظَارُ لِلْقَائِمِ (عليه السلام)...»(8).

ويمكن التماس الدليل على صحَّة توقُّف العمل على انتظار الفرج من القرآن الكريم في عَدِّهِ اليأس من رَوْح الله صفة للكافرين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧)، وقال بشأن الكافرين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ (الفرقان: ٢٣).

٢ - وصف المنتظِرين بأنَّهم من الأولياء:

عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ (الأنعام: ١٥٨)، قَالَ (عليه السلام): «يَعْنِي خُرُوجَ القَائِمِ اَلمُنْتَظَرِ مِنَّا»، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «يَا أَبَا بَصِيرٍ، طُوبَى لِشِيعَةِ قَائِمِنَا، اَلمُنْتَظِرِينَ لِظُهُورِهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَاَلمُطِيعِينَ لَهُ فِي ظُهُورِهِ، أُولَئِكَ أَوْلِيَاءُ اَلله اَلَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»(9).

٣ - منزلة المنتظِر لإمام الزمان (عجَّل الله فرجه):

عَنِ العَلَاءِ بْنِ سَيَابَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ مُنْتَظِراً كَانَ كَمَنْ هُوَ فِي الفُسْطَاطِ اَلَّذِي لِلْقَائِمِ (عليه السلام)»(10).

وَعَنِ الفَيْضِ بْنِ مُخْتَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ لِهَذَا الأَمْرِ كَمَنْ هُوَ مَعَ القَائِمِ فِي فُسْطَاطِهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَكَثَ هُنَيْئَةً، ثُمَّ قَالَ: «لَا بَلْ كَمَنْ قَارَعَ مَعَهُ بِسَيْفِهِ»، ثُمَّ قَالَ: «لَا وَاَلله إِلَّا كَمَنِ اُسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اَلله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(11).

وعن إبراهيم الكوفي، عن الصادق (عليه السلام): «... اَلمُنْتَظِرُ لِلثَّانِي عَشَرَ كَالشَّاهِرِ سَيْفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَذُبُّ عَنْهُ»(12).

٤ - ما يجب أنْ يتحلَّى به المنتظِر، وبيان أجر انتظاره:

عن أبي بصير، عن الإمام الصادق، قال (عليه السلام): «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ القَائِمِ فَلْيَنْتَظِرْ، وَلْيَعْمَلْ بِالوَرَعِ وَمَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ، فَإِنْ مَاتَ وَقَامَ القَائِمُ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَدْرَكَهُ، فَجِدُّوا وَاِنْتَظِرُوا...»(13).

 

ومن الصفات الأُخرى التي ينبغي على المنتظِر التحلِّي بها، صفة التديُّن، والابتعاد عن المعاصي والآثام بحيث يُراعي تقوى الله تعالى دائماً، ويرشدنا إلى هذا حديث الإمام الصادق (عليه السلام): «لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةً، فَلْيَتَّقِ اللهَ عَبْدٌ وَلْيَتَمَسَّكْ بِدِينِه»(14).

٥ - توجُّع المنتظِر وحزنه وبكاؤه على المهدي (عجَّل الله فرجه) في غيبته:

عَنْ سَدِيرٍ اَلصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا، وَاَلمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو بَصِيرٍ، وَأَبَانُ اِبْنُ تَغْلِبَ عَلَى مَوْلَانَا أَبِي عَبْدِ اَلله اَلصَّادِقِ (عليه السلام)، فَرَأَيْنَاهُ جَالِساً عَلَى اَلتُّرَابِ، وَعَلَيْهِ مِسْحٌ خَيْبَرِيٌّ، مُطَوَّقٌ بِلَا جَيْبٍ، مُقَصَّرُ الكُمَّيْنِ، وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ الوَالِهِ اَلثَّكْلَى، ذَاتِ الكَبِدِ الحَرَّى، قَدْ نَالَ الحُزْنُ مِنْ وَجْنَتَيْهِ، وَشَاعَ اَلتَّغْيِيرُ فِي عَارِضَيْهِ، وَأَبْلَى اَلدُّمُوعُ مَحْجِرَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: سَيِّدِي غَيْبَتُكَ نَفَتْ رُقَادِي، وَضَيَّقَتْ عَلَيَّ مِهَادِي، وَاِبْتَزَّتْ مِنِّي رَاحَةَ فُؤَادِي، سَيِّدِي غَيْبَتُكَ أَوْصَلَتْ مُصَابِي بِفَجَائِعِ الأَبَدِ...»(15).

٦ - النهي عن قسوة القلوب في فترة الانتظار:

أخرج الصدوق (رحمه الله) عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي القَائِمِ (عليه السلام): ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]»(16).

ويُوضِّح المعنى المذكور ما أخرجه النعماني (رحمه الله) في كتاب (الغيبة)، عَنْ أَحْمَدَ اِبْنِ الحَسَنِ المِيثَمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اَلله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اَلَّتِي فِي سُورَةِ الحَدِيدِ ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فِي أَهْلِ زَمَانِ الغِيبَةِ، ثُمَّ قَالَ (عزَّ وجلَّ): ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]»، وَقَالَ: «إِنَّمَا الأَمَدُ أَمَدُ الغِيبَةِ»(17).

ثمّ قال الشيخ النعماني (رحمه الله) معلِّقاً على هذا الحديث: (فإنَّه أراد (عزَّ وجلَّ): يا أُمَّة محمّد، أو يا معشر الشيعة، لا تكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد. فتأويل هذه الآية جاء في أهل زمان الغيبة وأيَّامها دون غيرهم من أهل الأزمنة)(18).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سُنَن الترمذي (ج ٥/ ص ٢٢٥/ ح ٣٦٤٢)، المعجم الكبير للطبراني (ج ١٠/ ص ١٠١/ ح ١٠٠٨٨)، الكامل لابن عدي (ج ٢/ ص ٢٤٨)، شُعَب الإيمان (ج ٢/ ص ٤٣/ ح ١١٢٤، وج ٧/ ص ٢٠٥/ ح ١٠٠٠٧)، تفسير الواحدي (ج ٢/ ص ٢٠١)، إحياء علوم الدِّين (ج ٣/ ص ٥٥١)، التدوين في أخبار قزوين (ج ٢/ ص ١١٧ و١١٨)، الترغيب والترهيب (ج ٢/ ص ٤٨٢/ ح ٢٥٣٣)، تفسير القرطبي (ج ٥/ ص ١٦٤)، الآداب الشرعيَّة (ج ١/ ص ١٢١)، تهذيب الكمال (ج ٧/ ص ٢٩١ و٢٩٢)، تفسير القاشي (ص ٢٠٢)، اللباب في علوم الكتاب (ج ٦/ ص ٣٥٣)، الجامع الصغير (ص ٢٨٩/ ح ٤٧٠١)، تفسير أبي السعود (ج ٢/ ص ١٧٢)، مفتاح السعادة (ج ٣/ ص ١٥٧)، كنز العُمَّال (ج ٢/ ص ٧٩/ ح ٣٢٢٥).

(2) كمال الدِّين (ص ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٦)، الجامع الصغير (ص ١٦٢/ ح ٢٧١٩) عن ابن عساكر وابن أبي الدنيا.

(3) أمالي الطوسي (ص ٤٠٥/ ح ٩٠٧/٥٥).

(4) مجمع البيان (ج ٣/ ص ٧٤).

(5) تاريخ بغداد (ج ٢/ ص ١٥٢ و١٥٣).

(6) تلخيص المتشابه بالرسم (ج ١/ ص ٢٢٨)، ومسند الشهاب (ج ١/ ص ٦٣/ ح ٤٧).

(7) الأمالي الخميسيَّة (ج ١/ ص ٣٠٢/ ح ١٠٥٣)، مسند الشهاب (ج ١/ ص ٦٢/ ح ٤٦.

(8) الغيبة للنعماني (ص ٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٦).

(9) كمال الدِّين (ص ٣٥٧/باب ٣٣/ح ٥٤)، ينابيع المودَّة (ج ٣/ص ٢٣٨/باب ٧١/ح ١٠).

(10) الغيبة للنعماني (ص ٢٠٦ و٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٥)؛ وبتفاوت يسير في: المحاسن (ج ١/ ص ١٧٣/ ح ١٤٧)، كمال الدِّين (ص ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ١).

(11) المحاسن (ج ١/ ص ١٧٤/ ح ١٥١).

(12) كمال الدِّين (ص ٦٤٧/ باب ٥٥/ ح ٨).

(13) الغيبة للنعماني (ص ٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٦).

(14) قد تقدَّم في (ص ١٣٧)، فراجع.

(15) كمال الدِّين (ص ٣٥٢ - ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٠)، الغيبة للطوسي (ص ١٦٧ - ١٧٣/ ح ١٢٩)، ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣١٠ - ٣١٢/ باب ٨٠/ ح ٢).

(16) كمال الدِّين (ص ٦٦٨/ باب ٥٨/ ح ١٢).

(17) الغيبة للنعماني (ص ٣١) من مقدَّمة المؤلِّف، تأويل الآيات الظاهرة (ج ٢/ ص ٦٦٢/ ح ١٤) عن الشيخ المفيد (رحمه الله).

(18) الغيبة للنعماني (ص ٣١ و٣٢) ذيل الحديث المذكور.

غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند الإمام الصادق (عليه السلام).

تأليف: السيد ثامر هاشم العميدي.

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0587 Seconds